من كتاب ( مدخل للأدب الإسلامي ) 3 فبراير 9, 2009
Posted by بدر الإسلام in أدبيات.Tags: الإلتزام في الأدب, الجمال في الأدب
1 comment so far
لقد سأل طالب جامعي استاذه بيتر قائلاً:
ـ (لماذا يجب أن نكون اخلاقيين (في الفن ) ؟
فأجابه بيتر قائلاً:
ـ (لأن ذلك غاية الجمال ).
أليس في الحقيقة التي يقصدها الدين جمال من نوع خاص ؟؟ ألم نقل: إن الجمال ليس مجرد صورة حسّية أو انفعاليةى ، وإن الأمر مركب، وليس على هذا النحو من التبسيط والسهولة؟ ثم ألا يبحث الفن أيضاً في إبراز الحقيقة ؟ إن المسرحية الجميلة ما هي إلا تصوير للصراع بين الخير والشر، أو بين الفضيلة والرذيلة، وإن المأساة تعكس هموماً إنسانية، وتشير إلى حقيقة أو مجموعة من الحقائق، والقصة تفعل الشيء نفسه بأسلوب مغاير ، وفي الإمكان ـ دون حيف ـ أن ننظر إلى الشعر إلى الشعر عموماً النظرة نفسها، ومن ثم يمكننا القول: إن ألوان الآداب المختلفة قد تبلور حقيقة نفسية، أو تجسد واقعاً اجتماعياً، أو تبرز قيمة من قيمة من القيم العليا في إطار معين ، وهكذا نرى أن الآداب لنا ألواناً من الحقيقة في ثوب أخاذ، أو في شكل جميل، لأن تغليف الحقيقة بما يجعلها جميلة ومؤثرة لا ينفي عنها كونها حقيقة، وهذا الشكل الجميل الذي تزف فيه الحقيقة، يختلف تماماً عن الحقيقة العارية المجردة التي تتنتج عن البحوث العلمية البحتة، أو الفلسفية التقليدية .
من كتاب ( مدخل للأدب الإسلامي ) د.نجيب الكيلاني فبراير 4, 2009
Posted by بدر الإسلام in أدبيات.Tags: الكيلاني, بطل الرواية
add a comment
• البطل في الأدب الإسلامي
البطل في العمل الأدبي ـ قصة أو مسرحية أو ملحمةـ هو تجسيد لمعانٍ معينة، أو رمز لدور ما من أدوار الحياة وخاصة الهامة منها، وقد يكون هذا البطل أنموذجاً يحتذى، أو مثالاً سيئاً يولد النفور والاشمئزاز، وهو في كلا الحالين ذو تأثير إيجابي قبولاً أو رفضاً، وكلما كانت الشخصية ـ البطل ـ قريبة من الواقع، حافلة بعناصر الإقناع، مكتملة الملامح والسمات، أصبحت أكثر جاذبية وأعمق تأثيراً.
وكانت الترجيديات الإغريقية تختار بطلها من الملوك والأمراء والقادة الكبار، بينما الواقعيات الحديثة بالإنسان العادي البطل، الذي يصارع من أجل حياة أفضل، وكان المثال ـ البطل ـ الإغريقي يصارع قوى الشر وآلهة الأولمبي ، وفق قناعات وثنية مادية، بينما المثال في الواقعية الاشتراكية مثلاً ينازل التمايز الطبقي، والاستغلال الرأسمالي،في جو من الأحقاد والحزازات وسوء الظن، طبقاً لفلسفة معينة تستند إلى ما يسمى بحتمية الصراع الطبقي، وانتصار طبقة بعينها هي طبقة البروليتاريا.
ويتميز البطل (الوجودي ) بحساسية مفرطة، ووعي عقلي فلسفي يبدو جليا في تصرفاته وأحكامه وسلوكه، كما يبدو في رفضه الكامل لكل المسلمات القديمة ـ صحيحها وباطلها ـ وينفر من القيم الدينية وأخلاقية، ويظن أن هذه أنما جاءت لتكبل إرادة الإنسان، وتهدم حريته التي تعتبر أهم قيمة في وجوده، ولذلك جاء البطل متمرداً رافضاً ساخطاً على كل شيء في الحياة القائمة.
وفي هذا الجو أيضاً ولد البطل العبثي الذي لم يجد في الحقيقة قيمة يتشبث بها حسبما صور له وهمه، فلا هو نعم بالإيمان الموروث، ولا هو ابتدع بناء خلقياً جديداً، بل لم يجد أي جدوى من هذا أو ذاك، فانطلق دون وعي أو منهج، واعتبر اللا فلسفة، وكيف لا يفعل ذلك وهو يرى أن العشوائية والفوضى تسود كل ما في الوجود، وأن الموت قادم لا محالة، وأنه ليس وراء الموت شيء، هذا الخلاص المزعوم جعله يتخبط ويمارس حياته في طيش وجنون، بعد أن عطَّل وظيفة الضمير ، وأغلق قلبه وعقله عن فهم الحياة على وجه صحيح.
وكفر البطل الرومانسي بالعقل، وتشبث بحرقه العواطف وتهويماتها، وأخذ يتغنى بحرمانه وعذابه وأساة، واستعذب ذلك التوهم، وغرق في بحوره العاصفة، دون أن يحاول الخروج من هذا الكابوس الرهيب.
وكان البطل في إطار المادية والفرويدية والطبيعية وليداً والطبيعية وليداً للتقدم المادي الخارق في مجالات العلم والصناعة والتقنية، فهذا البطل لا يؤمن إلا بما يراه ويحسه ويسمعه أو يتذوقه، وليس وراء عالم الحواس شيء آخر، ولم يعد للجانب الروحي أو المينا فزيقي في الإنسان قيمة يعترف بها علميا، مادام خارج التصور المادي للحياة، ولا يمكن قياسة بالمقاييس، أو إثباته في أروقة معامل الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا والفسيولوجيا وغيرها.
• ثم إن هذه وتلك تتداخلان مع الوجودية، برغم وجود بعض الاختلافات، ولم لا ونحن نرى كتاباً مثل (البير كامي ) وجوديَّا وعبثياً في الوقت نفسه، وإن غلبت عليه الصفة الأولى، والأمر غاية في البساطة، لأن الحدود القاطعة بين مذهب وآخر لا وجود لها، بل إن أصحاب المذهب الواحد ـ كما قلنا ـ قد يختلفون أشد الاختلاف في الرؤية والتفسير والتعبير.
والبطل في الأدب الإسلامي حكراً على طبقة اجتماعية دون أخرى، فالإسلام مجتمع متجانس، أساس التفاصيل فيه (..إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى )، والتقوى ليست صلاة وصوماً وعبادة فحسب، ولكنها جهاد في سبيل الله، وكفاح من أجل لقمة العيش، ودأب على تحصيل العلم، وبراعة في الصناعة، وصدق في القول والعمل، وتكافل اجتماعي، وإبداع فكري، وزارعة وتجارة، وقيادة وجندية وأمانة وعدل ووفاء، وطهر، ونقاء ، وبر وتسامح، إنها ملتقى لكل القيم والمبادئ والآداب التي بها الإسلام الحنيف .
شخصية البطل إذن قد تكون (بلال بن رباح ) العبد الحبشي، وقد تكون (أبو بكر الصديق ) خليفة المسلمين، وقد تكون (سلمان الفارسي ) أو (حمزة بن عبد المطلب ) القرشي، وقد تكون (سمية) زوجة ياسر أو رفيدة أو غيرها من النساء، وقد يكون فتى يافعاً، أو شيخاً مسناً .
إن البطل ـ كما قلنا ـ تجسيد لفكرة يرى الكاتب إبرازها، لتؤدي دوراً تمتزج فيه المتعة لدى لفكري يرى المتلقي، فيتفاعل معها ويتأثر بها، ومن ثم تتولد لدى ذلك المتلقي قناعات بعينها، قد تدفعه إلى اتخاذ موقف، وهذا التأثير واسع الآفاق، رحب المدى، فقد ينمو ويتسع أكثر مما في شخصية البطل، وهذا راجع إلى عاملين أساسيين: أولهما قدرة الكاتب على الوفاء بمقتضيات الفن والفكر، بحيث لا يحد من رؤية المتلقي، ولكن يدفعه إلى مزيد من التفاعل والتفكير فيخرج بإضافات وتخيلات وابتكارات، تجعل الرؤية أكثر عمقاً وشمولاً، وكأن المتلقي في هذه الحالة يتحول ـ تلقائياً ـ إلى امتداد طبيعي لفكرة الكاتب وتصوراته المتنامية المتفاعلة، أما العامل الثاني فهو اندماج المتلقي مع العمل الأدبي، وتقبله له بحساسية ورضى صادق، ولا شك أن اكتمال هذه الدائرة يحقق الهدف الأسمى من الأدب، فالأدب الإسلامي بالضرورة قوة فاعلة، مغيرة إلى الأفضل، وإلا تكون وظيفته إذن؟؟
من كتاب ( مدخل للأدب الإسلامي ) د.نجيب الكيلاني فبراير 1, 2009
Posted by بدر الإسلام in أدبيات.Tags: نجيب الكيلاني, الأدب الإسلامي
2 comments
مقدمة :
• مفهوم الأدب الإسلامي: تعبير فني جميل مؤثر ، نابع من ذات مؤمنة ، مترجمٌ عن الحياة والإنسان والكون ، وفق الأسس العقائدية للمسلم ، وباعث للمتعة والمنفعة ، ومحرك للوجدان والفكر ، ومحفز لاتخاذ موقف والقيام بنشاط ما .
• سمات أساسية للعمل الفني الأدبي، فهناك (الصورة الفنية ) المؤثرة التي تتشكل من عناصر عدة أولها اللغة المنتقاة، حيث تؤدي اللفظة الموحية المؤثرة وظيفة خاصة مميزة، هذه اللفظة لا تقوم بذلك وحدها، ولكن بارتباطها العضوي مع باقي الألفاظ في نسق معين، وبما تعكسه من فكرة، وتثيره من خيال، وبما تحركه من عاطفة، وتولده من اندماج.
• تمثيل للمغرقين في الرمزية التي غيبت مضمون الرسالة الأدبية : وقد عبر أحد الشعراء المحدثين عن هذه المأساة بقوله (1):
((شاعركم جبان
يخاف من ترجمة الإفصاح
لذا تراه يختفي خلف حلكة العبارة
ينسجها من أغرب الرموز
يملؤها بالليل والأشباح
وكل قطعة تلوح كالمغارة
مغلقة على عجائب الكنوز )).
عصير كوكتيل سبتمبر 14, 2008
Posted by بدر الإسلام in أدبيات.Tags: كوكتيل, أخطاء, العلماء, تقصير
10 comments
دخلت أحد الأيام محل عصيرات من المحلات اللي شكلها فخم - طبعا معزوم – وأعجبني بكل صراحة هيئة المكان وتنظيمه خاصة رصات الفواكه المتميزة ، حيت أهيم بمتابعة حبات الفاكهة المرصوصة ..
فكرت مليا ماذا أتخير ؟
وصاحبي لكرم ضيافته ساعدني ، وأمهلني الوقت الكافي للتفكير في نوع العصير الذي أشتهيه نظرا لكثرة الأنواع المعروضة واختلاف اسمائها وتركيبها ؟
في الحقيقة أنني – قبل دعوة صاحبي – قد أشغلني موضوع آخر غير موضوع الفاكهة ..
وأحببت أن أخرج من جو التفكير فيه ، فقبلت دعوته لهذا المحل بالذات فنادرا ما يمكنني دخوله !!
( ابتسامة )
لقد أشغلني التفكير في الصحوة ، وقضية اختلاف دعاتها ، وبعض الشطحات التي نسمعها بين الحين والآخر من بعضهم ، ولا تدري ما سببها ، وما هي ثمرات هذه الشطحات الفقهية كانت أو الدعوية أو حتى الحركية منها وكذلك الإعلامية أيضا كنت أتساءل عن طريقة الرد على من أخطأ منهم وأسلوبه ؟
وبسبب هذا فإني حين دخلت محل العصير – نظرت إلى الفواكه نظرة مختلفة ، نظرة مختلفة جدا ..
وتداعت الأفكار في خاطري ..
ودخلت في عالم آخر ..
وسألت نفسي : ماذا آخذ من هؤلاء الدعاة وماذا أدع؟
وتحول سؤال صاحبي من : ماذا تأخذ من عصير إلى ماذا تأخذ من الدعاة ؟
وحين رأيت الفاكهة أمامي ، ربطت كل واحدة منهن بالدعاة والعلماء ..
فقد رأيت البرتقال الذي لايؤكل ظاهره وقلت مثله مثل الدعاة الذين لايهتمون بالمظهر والهدي الشرعي فهؤلاء لايؤخذ منهم هذا بينما يؤكل ما يقولون ..آسف يؤخذ مايقولون
وإن كان لا يخلو من (البذور) وأخطاء في خطابهم أيضا فتلقى كذلك
ويا حسرة على من لاينتبه لهذه البذور ..فيبلعها ليغص بها ..
ورأيت عددا من الفواكه يؤكل ظاهرها لكن بداخلها ( البذرة ) التي يختلف حجمها من فاكهة لأخرى كالمشمش والخوخ والتفاح ، …..وغيرها فمثلها مثل الدعاة الذين يبلغون دين الله تعالى لكن لايخلو الواحد منهم من خطأ فصاحب الخطأ الكبير كالفاكهة التي بداخلها بذرة كبيرة ، وقس على ذلك ؟؟
ورأيت الأناناس فهو كالداعية الذي يحول دون الاستفادة منه وعورة خُلقه …وإن كان على خير عظيم
ورأيت الجوافة تؤكل كلها ولا يمكن الاحتراز من بذورها الصغيرة الكثيرة كمن تحبه من الدعاة وبين الحين والآخر تجده يقع في مطب وثانٍ وثالث .. ورأيت .. ورأيت .. مشاهدات عديدة وعلاقات وروابط وطيدة ..
وبعد هذا كله تذكرت قول الله تعالى {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (4) سورة الرعد
انتبهت على قول صاحبي :ها يابدر ماذا تحب؟
قلت :أحبهم كلهم ..
قال متعجبا : إيش !!
قلت :آسف أقصد عصير كوكتيل .. أعطني عصير كوكتيل !!
::. الاستجابة للحرف ::. اغسطس 10, 2008
Posted by بدر الإسلام in أدبيات.Tags: موهبة
14 comments
قليل من الناس من يشعرون بقيمة الحروف ، والكلمات ..
وقليل من يستجيب لها …
ربما تكون كثرة سماع الهراء ، أعقبت تجاهل النفيس من الألفاظ ..
وربما موت القلوب وانغماسها في الشهوات خلّف هذا الداء ..
وربما أن الاستجابة للحرف تحتاج عقلا ، وفهما متميزين ..
وربما أن الاستجابة للحرف تحتاج صفاءا لغويا ، وفصاحة عربية تفهم أساليب الكلام ومراده ..
كلها تعد أسبابا … ولكنا لن نناقش الأسباب ، بل سنبحر في أعماق الظاهرة لنرى صورا شتى ، ومظاهر عديدة تبين لنا المقصود بجلاء ظاهر ، وتزيح عنه لثام الغموض ببنان طاهر ..
وأول الاستجابات التي تعترض طريقنا استجابة أعرابي لآية من كتاب الله تعالى فقد ورد عن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى : (وفي السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) صرخ وقال : من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه لليمين ؟.
فكم منا يقرأ الآية أو يسمعها ولكن لا يقع في نفسه ما وقع في نفس الأعرابي من هذا المعنى الذي يدل على أنه لم يسمع بأذنه فقط بل بعقله وقلبه .. فلله در انتباهته ، وما أروع استجابته !
وثاني الاستجابات هي : استجابة الجن لما سمعت سورة الرحمن من الرسول عليه الصلاة والسلام فعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه ) قال : لما قرأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) سورة ” الرحمن ” على الناس سكتوا ، فلم يقولوا شيئا ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) : ” الجن كانوا أحسن جوابا منكم ، لما قرأت عليهم ” فبأي آلاء ربكما تكذبان “قالوا : لا ولا بشيء من آلاء ربنا نكذب “
وأما الثالثة فاستجابة ( سعد بن معاذ رضي الله عنه ) عندما استشار الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين هل يثبتوا لمواجهة المشركين الذين تجهزوا لحربهم أم يعودوا إلى المدينة بعد أن أفلتت قافلة قريش ؟ .. فقام المقداد وغير واحد من المهاجرين يحرضون النبي عليه الصلاة والسلام على القتال ويعدونه بموأزرته ، ومن تأمل الموقف عرف أن الرسول أن السؤال لا يقصد به المهاجرين أبـدا فهم قد تركوا ديارهم وأموالهم في مكة من أجل مناصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولذا فقد كانت روعة ( سعد بن معاذ ) حين قام من بينهم وقال ( والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ) هذا هو الشاهد ، وهذه هي الاستجابة الواعية التي نعنيها في هذه الكلمات ، واسمح لي بإكمال كلام سعد وإن كنا لا نقصده في مقامنا هذا ( .. لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة .. والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا .. إنا لصبر في الحرب .. صدق في اللقاء .. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله ).
والرابعة استجابة الملائكة لكلام عبد من عباد الله تعالى فعند الترمذي وأبي داود والنسائي من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطست ، فقلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فقال : مَن المتكَلِّم في الصلاة ؟ فلم يُكَلِّمه أحد ، ثم قالها الثاني: من المتكلم في الصلاة ؟ فقال رفاعة بن رافع بن عفراء : أنا يا رسول الله . قال : كيف قلت ؟ قال : قلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يَصعد بها.
فتأمل كيف ابتدرت الملائكة حمدا العبد لرب رب العالمين تسارع وتسابق في الصعود بها لما في صيغة الحمد من معنى زائد ورائع وممتد حيث جعله ( مستغرقا بأل ) ثم ( مؤكدا لفظا ) ثم ( كثيرا ) ثم ( طيبا ) ثم ( مباركا فيه ) ثم ( مباركا عليه ) حتى بلغ المنتهى في قوله ( كما يحب ربنا ويرضى ) .. فانتبهت الملائكة أن هذه الصيغة من صيغ الحمد لها منزلة على غيرها فأحب كل ملك برفعها ليحوز شرف هذا الحمد ونقله إلى رب العالمين ( وهو به أعلم ).
وأما الاستجابة الخامسة : فعن أبي سعيد الخدري ، : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : ( إن الله خير عبداً بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين لقائه ، فاختار لقاء ربه ) ، فبكى أبو بكر وقال : بل نفديك بآبائنا وأبنائنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اسكت يا ابا بكر ) ، ثم قال : ( إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً من الناس ، لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، ألا لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر ).
ولن أعلق على روعة استجابة أبي بكر رضي الله عنه فقد علق عليها أبو سعيد حيث قال بعد روايته للحديث : العجب يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة وهذا يبكي ، وإذا المخير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا الباكي أبو بكر ، وإذا أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم ).
والاستجابة السادسة تبينها صورة تتكرر يوميا في الصلوات الخمس ، فهذه الاستجابة التي يفعلها الناس بلا حس ولا شعور ، وكان الواجب أن تكون بخشوع حتى تؤتي أكلها .. هذه الاستجابة ، هي استجابة المصلي لما يتلى عليه من فاتحة الكتاب ، فبعد قوله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين ) يقول المصلي : آمين بمعنى اللهم استجب ..
وهذه الاستجابة ، ضرورية ، لأنها أولا أمر شرعي وثانيا لأنها من المفترض أن تعبر عن وعي المصلي بصلاته ، ودعائه الذي يدعو به ، وتدبره لمعاني القرآن التي يسمعها ..
والسابعة ، والثامنة والتاسعة والعاشرة .. فصور الاستجابات كثيرة ، ونماذجها عديدة ، والمقام يطول بحصرها ولكن لعل ما أوردته بين حقيقة المعنى ، وأفصح عن جديد ..
وللشعر نصيب من الحديث ، فمنه أبيات تجبر من يسمعها بقلب واعي ، وعقل حصيف أن تستجيب لها وتهتز وكما قيل :
إذا الشعر لم يهززك عن سماعه فليس جديرا أن يقال له شعر
وأما الذي جعل قلبه حجرا صلدا ، وسمعه فيه وقرا ، وأمرها مرور الكرام ، ولم يلق لها بالا ، فهذا من نقص النفوس ، وضعف العقول وخذ مثلا قول قيس ليلى :
يارب لا تحرمني حبها أبداً … ويرحم الله عبداً قال آمينا
فالسامع لهذا البيت بقلبه يجد فيه نزوعا ، وقوة تجبره أن يقول آمين إلا لمن عقله و وجد تحفظا من وجه من الوجوه فله الحق في ذلك.
وقول القحطاني في آخر نونيته :
بالله قولــــــــــوا كلما أنشدتم رحم الإله صداك يا قحطاني
فهذا استحلف بالله أن نقول كلما أنشدنا ندعو له بالرحمة .. والمستشعر لما يسمع سيقولها تلقائيا بمجرد سماعه لعدد من أبيات القصيد ..
ومن الاستجابة أيضا : ملاحظة مواضع الغرابة أو الحلاوة واللذة في الكلمات التي يسمعها وبالتالي يكون التفاعل معها ..
ومن الاستجابة معرفة ( قيمة الكلام وهل الذي قيل فيه الشعر يستحقه أم لا ) ومثال ذلك قول ابن تييمية لما سمع أبيات المتني
إذا صح منك الود فالكل هين *** وكل الذي فوق التراب تراب
قال أن هذه لا تنبغي إلا أن تكون في الله تعالى ..
أما أصحاب القلوب الغلف ، فيطربون للبيت دون انتباهة ألمعية كانتباهة المتنبي ..
ومن الاستجابة أيضا : إجابة المتكلم إن كان أهلا للإجابة أو الرد عليه بما يناسبه .. ألا ترى سائل الحاجة في المسجد يشرع أن يقال له : لا ردها الله عليك .. بمعنى ( كيف تسمعون أيها المؤمنون رجلا ينشد ضالة في مكان قد خصص للعبادة وتسكتون عليه ! )
أخيرا : فإن الكلام حمال وجوه ، ولكل موطن وجه من وجوه الكلام أليق به ، فمن أراد أن يفهم فليعرف ” احتمالات الكلمات ، ومواطن ذكرها ، وطبيعة قائليها في الدقة والالتزام ” لكي يحظى بفهم مقاصدها و أقرب معانيها .
والسلام مسك الختام ..