الشمعة والمصباح


ذهب مع أخيه الصغير ليشتري بعضا من أغراض المنزل ، تجول في السوق وأخذ يتنقل من محل للآخر يسأل عن الأدوات و أسعارها حتى وقف عند محل يبيع أدوات الإضاءة دخل المحل أخذ نظرة وتعجب أن لاحظ وجود قسم للشموع وهو الذي يظن أن عهدها انتهى .

نظر إلى أخيه الصغير يستشيره: ما ذا تفضل نشتري شمعة أم مصباح ؟

قال الصغير : بل مصباح .

قال : لماذا ، ضوء الشمعة جميل ومنظره في الغرفة أجمل .

قال الصبي: ولكن الشمعة سرعان ما تنتهي وأما المصباح فيبقى.

بهت الأخ الأكبر وكأنما طعن بسكين في قلبه بلا رحمة أو هوادة. لم تكن عبارة الصغير فيها غرابة أو أمر يثير الدهشة أبدا ولكنها نكأت جرحا قديما.

لقد تذكر نصيحة أحد إخوانه له قبل سنوات تذكرها مع كلمات الصبي الصغير.

عاد إلى منزله ، أخذ دفترا ، قلما ، دخل غرفته ، أحكم غلق الباب ، أطفأ النور ، لم يبق سوى ضوء مصباح صغير يستخدمه للمذاكرة ، رسم على الورقة صورة شمعة وبجوارها مصباح ثم رسم تحت الصورتين شمعة أصغر ومصباح بنفس الحجم ثم رسم تحت الصورتين مصباح فقط توقف قليلا يتأمل الرسم إلى أن شعر أن معانيه ومفاهيمه بدأت تؤثر فيه كتب أسفل الورقة :

الشمعة تحرق نفسها وتضئ للآخرين أم المصباح يضئ للآخرين ويبقى

سأل نفسه وشرط عليها أن تكون صريحة جدا معه : هل كنت طوال السنوات السابقة شمعة أم مصباحا ؟

تلعثمت في الجواب وكادت أن تراوغ.

قال: الشرط.

قالت : إن كنت تريد الجواب حقا فافتح تيك الملفات وأشارت إليها .

أخذها بسرعة وإذا بكل واحد منها مكتوب عليه من الخارج اسم عمل من الأعمال.

فتح ملف القرآن فإذا مكتوب فيه:” القرآن مشتاق لصوتك الجميل و التحفيظ يسأل عن شيخه الجليل ”

فتح ملف الأذكار فوجد فيه ” صاحب هذا الملف قد مات منذ ثلاث سنوات رغم أنه مازال يسعى بين الأحياء ”

فتح ملف الصلوات وجد اسمه أقصد لم يجد اسمه من أسماء الذين تكتبهم الملائكة في صلاة الفجر و العصر.

فتح ملف الدروس و المحاضرات وجد أنه قد افتقد ” قوموا مغفورا لكم ” منذ سنوات ، وجد نفسه قد افتقد الملائكة التي كانت تحفه بالرحمة وتتنزل عليه بالسكينة .

فتح الملفات واحدا تلو الآخر لم يجد ملفا يشرح صدره سوى ملف واحد مكتوب عليه ” وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ”

فتحه بخوف ووجل فتحه فلم يجد فيه إلا ” والله يريد أن يتوب عليكم ”

لم يتمالك نفسه وجل قلبه ، اقشعر بدنه ، دمعت عيناه و امتلأت دموعا وجنتاه، ظل هكذا يبكي ، يتذكر كل ملفاته التي فتحها تذكرها يوم تعرض كلها على الله شهق شهقة حياءا من الله ، زاد بكاؤه خشية من الله بكى وبكى حتى انقطع دمعه قام إلى ملف جديد كتب عليه من الخارج ملف ” فإني قريب ”

فتحه وخط فيه أبياتا :

يا من يحدث نفسه بدخول جنات النعيملا ترجون سلامة من غير ما قلب سليم

فاسلك طريق المتقين وظن خيرا بالكريم

ثم كتب آخر ما كتب

كن مصباحا يضيء للآخرين ويبقى

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: