الـبـذرة ( 2 )


اليوم انتهيت من أول مقالة لي وسأذهب الآن لأعرضها على جدي كي أسمع رأيه فيها ، من لي بمثل جدي يحفظه الله ؟!
ذهبت إليه ، طرقت بابه ، سمح لي بالدخول ، رأيته جالسا على كرسيه أمام الشرفة المطلة على بستان المنزل ، سلمت عليه ، رد دون أن يلتفت ، علمت أن ذهنه مشغول لكن لم أشأ أن أرجع بكنزي الصغير دون أن أعرضه عليه!

مشيت حتى وقفت بينه وبين الشرفة ، ابتسم وقال : عنيد مثل والدك ..
قلت مبتسما : ومن أين لوالدي بمثل هذا العناد ؟!
ضحك ثم قال : هات ما عندك يبدو أنني لن أغلبك في الكلام أبدا …
أريته أوراقي ، وقلت له : أتدري ما هذه ؟!
قال على الفور متهكما : صك منزلنا القديم !!
قلت : بل ما هو خير منه .
قال : سيقتلك الغرور يا ولدي !
قلت : لا يهم ، فورائي من سيأخذ بالثأر ..
هاك يا جدي أول مقال لي ، أريد أن أعرف رأيك فيه بأسرع وقت ممكن.
قال جدي : مقالك أنت ، يا ترى من ساعدك فيه ؟!
قلت : جدي أترك التحطيم الآن ، وخذ الموضوع بجدية.
قال : صدقني يا ولدي ، أقتلك أنا خير من أن يقتلك الغرور .. فإني قد كبرت سني ولن أستطيع أن آخذ بثارك !!
قلت : آآآآآه منك أيها الماكر ..
قال : لا عليك ، اذهب الآن وأعد لي كوبا من الشاي ، وستجد عندي ما يسرك.

فرحت جدا وانفرجت أساريري ، ورحت أقبل رأسه وأقول : حفظك الله لنا يا خير جد ….
خرجت مسرعا ، وجهزت كوبين من الشاي ، ودخلت الغرفة مرة أخرى أحمل الكوبين …
أخذت أسارع النظر لأرى ملامح جدي وهو يقرأ المقال طمعا في معرفة أدنى معلومة تشير إلى إنطباعه الأولي …

يبدو أن المقال قد أثر في جدي كثيرا ، فقد أرخى رأسه ..
نزلت برأسي قليلا أستطلع تعبيرات وجهه ..
اندهشت فعلا ..
لقد لامس المقال شغاف قلبه كما أردت منه أن يكون ..
إن عيناه تذرفان …
أحسست حينها بأني متردد بين مشاعر الفرح التي تكاد أن تحملني في الهواء رافعا صوتي : لقد نجحت في تجربتي الأولى وبين شعور الحزن العميق بسبب بكاء جدى الذي أكن له كل مشاعر الحب والتقدير والإنتماء …
توقفت برهة لا أدري ما أصنع ..

قطع الصمت إلتفاتة جدي وهو يقول بكل وقار : ضع الشاي واجلس يا محمد ..
نفذت أوامره ، وجلست بين يديه في خشوع وصمت ، أنتظر ما يقوله لي.
قال : لقد كانت تجربتك الأولى رائعة …
وأحب أن أسألك سؤلا جوهريا .. كيف كتبت هذا المقال ؟

قلت متعجبا من سؤاله : في لحظة هدوء وسكون ، حدث موقف أمامي وتفاعلت معه ، وعزمت على الكتابة عنه ، كتبت ما استطعت ثم رجعت إلى موسوعتي الشعرية واخترت منها الأبيات المناسبة و وضعتها حيث يجب.

قال جدي – والحكمة ما قال جدي – : انطر يا محمد ، إن الذي كتب المقال ليست تلك اللحظة العابرة فإنما هي شرارة فقط ، وليس الذي كتب المقال لحظة الهدوء والسكون ولا الموسوعة الشعرية ..

إن حياتك كلها تجتمع في ذاكرتك وتصوغها أناملك وأنت تكتب المقال …
إن أفكارك ومعتقداتك تجتمع منذ أن تبدأ في الحرف الأول حتى تصل إلى الحرف الأخير …
كل الثوابت والمتغيرات التي تعلمتها في حياتك تكتب معك المقال بل تكتب لك المقال …
بيئتك التي نشأت بها ، دينك الذي تعتقده ، ثقافتك التي حصلتها ، مشاعرك وأحاسيسك التي تشعر بها ، كلها تكتب المقال …
محمد يا ولدي لا يوجد مقال تكتبه لحظة واحدة أو نظرة عابرة أو تكتبه ثقافة يوم او يومين بل كل مقال يكتب ، تكتبه السنين والأعوام …
فبحكم حياتك التي عشتها وتجاربك التي مررت بها وظروف الخير التي توفرت لك بقصد أو دون قصد تأتي كلماتك وكلمات الآخرين …
لعلك فهمت ما أرمي إليه .

قلت : نعم فهمت جيدا يا جدي.
هيا قم الآن لقد أخذنا الحديث وتعطلت عن دروسك.

قمت ، وأخذت أوراقي ، وتركت الشاي فقد طابت نفسي منه ، ولما وصلت الباب ناداني جدي ، التفت إليه فإذا هو يقول لي : هل عرفت سر البذرة ؟
قلت : لا بعد.
قال : سبحان الله كيف لم تعرف وقد لقنتك الجواب !!

ثم ابتسم واستدار جهة النافذة مرة أخرى ، وتركني في بحر الحيرة والتفكير أسبح لا أهتدي إلى بر الأمان.

أجلت النقاش ، فقد تعلمت اليوم ما فيه الكفاية ، ولعلي أعاود التفكير في كلامه مرة أخرى.
.
.
.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: