الشريحة الصامتة


من الصعوبة بمكان أن ينطق الإنسان بالرأي المخالف حين يكون موجودا في بيئة متجانسة ، ما لم يكن عنده قناعة داخلية عميقة بما يريد أن يعلنه ، وثقة فيمن يسمعونه أنهم سيتفهمونه ، ويتقبلون رأيه بصدر رحب وأمر ثالث يساعد هذا المخالف على قول رأيه ألا وهو : كون هذه البيئة المتجانسة ليست في الحقيقة كذلك بل فيها أقلية مسيطرة مقررة لرأيها وأغلبية مقهورة لا تستطيع أن تبدي رأيها لأنها محرومة من وسائل الإعلام العامة والخاصة .. العامة مثل التلفاز والراديو والصحافة والخاصة مثل اللسان !! فهي مهددة بين لحظة وأخرى باستلابه !!

كمثقفين نتحدث أحيانا كثيرة عن شروط البيئة التي تساعد على النمو العلمي والثقافي والإجتماعي وتضمن لأجيال المستقبل العيش الرغيد موضحين أبرز الشخصيات التي تحول بيننا وبين هذا الأمل الماجد ، والماضي العريق ، ونتحدث بالمقابل عن الذات الجامحة التي تستعلي بذاتها فوق الظلم والتجبر والتكبر مضحية بروحها في سبيل عقيدتها وأفكارها ومهدرة دمها مهرا لأقصى الغايات والنهايات ، ممجدين لهذه الشخصيات و معجبين بها ، لأنها استطاعت أن تغير شيئا في مجرى الأحداث ولكننا قليلا ما نتحدث عن بيئتنا الصغيرة التي تمثلها الأسرة والنادي والمدرسة والشركة .. وقليلا بل ونادر ما يثير إعجابنا الشخصيات التي خرجت علينا وجابهتنا بالرأي الذي نكره … ألا يعد هذا غريبا ؟!

هل نعتقد أننا صواب دائما ؟ أم نعتقد أنه يلزمنا أن ندافع عن أنفسنا تجاه أي رأي يتهم تصرفاتنا وآرائنا وأفكارنا ؟ أم أن المشكلة في موقفنا أمام أتباعنا من أبناء وطلاب وموظفين سيكون محرجا ..

إن الإستفاضة في الحديث عن السماح بالنقد وتحليل ما يحيط بالنقد والناقدين والمنتقدين عملية الكل مقتنع بها ولكن في واقعنا العملي نجد كثرة كمية في نقد ما هو خارج الإطار ، وقلة في نقد ما هو داخل الإطار ( نحن ) وأقترح لتفعيل النقد داخل الإطار ما يلي :

استنطاق الشرائح الصامتة من المجتمع : فهي إما لا رأي لها أو أن لها رأي مخالف تخشى البوح به ، ومن هنا ينبغي تأمين المخالفين من النظرات الخانقة والكلمات الجارحة ..

النظرة الإيجابية إلى أصحاب الرأي المخالف : فليسوا كلهم أصحاب أهواء أو مجادلين أو علمانيين فقد يكون عندهم الحق أو قد يكونوا غير مقتنعين فعندما تكون البيئة لتبادل الآراء يقتنعون أو نقتنع نحن …

ولطالما شدني في هذا الصدد : عمر رضي الله عنه حين يقول للنبي عليه الصلاة والسلام : لأنت أحب إلى من والدي و ولدي ومالي إلا من نفسي .. إلخ …

وإنها لمقولة صعب أن يبوح بها المرء إلا عندما يكون مهتما لهذا الأمر وكذلك لا يبوح بها إلا لمن يثق به…

وشدني أيضا ما قاله سعد بن عباده في مسألة الغيرة ..

وشدني الحباب بن المنذر في يوم بدر …

وكذا الشاب الذي قال : إئذن لي بالزنا ..

كلها مواقف تعبير عن رأي مخالف قوبلت بالتبيان والتوضيح ، فكان مآلها إلى خير …

تفعيل لغة الأرقام والإحصائيات بتوزيع الإستبيانات وعمل الإستفتاءات المتنوعة بنزاهة تامة : فهي توفر تنوعا حرا للآراءا والأفكارا.

الإشادة بمن يعبر عن رأيه بصراحة و وضوح دون هوى أو عصبية ..

كانت هذه بعض النقاط الموجهة نحو مسألة أرى أنه من المهم الإنتباه لها في هذ االزمان .

Advertisements

5 تعليقات

  1. Posted by مجهول on مارس 26, 2008 at 9:51 ص

    نعم يوجد لدينا نوع من الضعف، ما يجعلنا بشكل أو بآخر نرفض الرأي المعارض نرفض سماعه أصلا فضلا عن تفنيده.
    والسبب الرئيسي يعود إلى أننا لم نترب على كيفية مواجهة المخالفين
    وكثير من المشكلات التي نعاني منها داخل الاطار تحتاج إلى شرح وتفصيل بالحكمة والاسلوب الجيد
    يحسن الكثير منا ( الشريحة الأصلية والشريحة المعارضة ) فن التهرب من المشكلات وتبادل التهم ربما و الخوض في الأعراض بسبب الضعف أنف الذكر

    الأمثلة التي ذكرتها كان أبطالها أناس تربعوا على قمة الهرم التربوي
    لو أحسنا العشر مما أحسنوا لحللنا مشكلات العالم

    مقالك جميل.. لو تكتب لنا آخر في العلاج..

    ( نقلته من المدونة السابقة )

    رد

  2. Posted by مجهول on مارس 26, 2008 at 9:52 ص

    اجل يصعب الفرد راي اجمعت عليه الجماعه وهذه حقيقه بشريه اجمعنا كلنا عليها وسميناها مرة بالنفاق الاجتماعي ومرة بذكاءه ومرة بالمجامله ومرة بالفطنه ومرة بلبابة العقلاء وغيرها
    ولكن من هو الكريم النفس الذي لا يجرء على كشف وجه الحقيقه وجلوها من التراب
    تحياتي لادراجك المنمق والموضوع المرتب السديد الفقرات والاراء
    دمت بود

    رد

  3. Posted by سعيد آل حازب on مارس 26, 2008 at 9:52 ص

    جزاك الله خير
    لي عودة إن شاء الله مع هذا المقال.

    (يمكن عندي رأي مخالف
    لذا لا أبوح به لأني قد أكون مصنف من الشريحة الصامتة)

    رد

  4. Posted by وثاب on مايو 23, 2008 at 7:59 م

    لا يكسر بعض عادات المجتمع إلا التطبيق الجاد

    رد

  5. Posted by بدر الإسلام on مايو 26, 2008 at 12:00 م

    الإخوة :

    مجهول ، سعيد آل حازب ، وثاب

    جزاكم الله تعالى كل خير ..

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: