أمنية شيخ


أعرف شيخا ، يتمنى أمينة عظيمة ، هذه الأمنية يتمناها غيره من المشايخ والعلماء ، الذين جربوا الحياة ، بتفاصيلها الكثيرة ، و شعروا أنهم قد حازوا خبرة كبيرة ، وعلوما عظيمة ، ومن هنا كانت حاجة كل واحد منهم إلى أمنية يحققها قبل أن يتوفاه الله تعالى ، فكانت أمنية كل واحد منهم مشروعا يطمح إليه ويتمناه ، ولأنهم جميعا مجمعون على أهمية هذه الأمنية ، فجميعهم مستعد لأن يدفع من مهجة روحه ، وراحة نفسه شيئا لا يتصوره الواحد منا ، من أجل تحقيق هذه المهجة الكبرى ، وليس بغريب عليهم !!!
كانت أمنية شيخنا – وكذلك كل شيخ من هؤلاء- : تلميذ نجيب !!

فقط تلميذ نجيب، يضعون فيه خلاصة أفكارهم، ونتاج خبراتهم التي حصلوها.
آه … كم تقر عين الواحد منهم إذا وجد بغيته !!!
آه … كم تطرب روح الواحد منهم كلما جال خيالها ليشاهد تحقيق هذه الأمنية !!!
آه … ثم آه… ثم آه !!!
إنه ليصعب علي جدا وصف الفرحة التي سوف تستحوذ على شيخنا عندما تفتح له نافذة أمل نحو تحقيق حلمه ، فقط نافذة أمل !! ، وكأني به لا ينام الليالي المتتابعات ، فليلة يبيتها وهو يتخيل ابنه النجيب مرتقيا سلم المجد درجة درجة ، وليلة يتخيل فيها هذا الابن النجيب وقد أصبح رجل يحمل المبادئ والقيم والمثل ، بعزيمة وثبات وإصرار ، ثم راح يؤثر في الناس ، ويدعوهم إلى الدخول في دين الله عز وجل ، وليلة ثالثة يبيتها شيخنا الجليل وهو يدعو ربه جل وعلا أن يحفظ هذا الغلام الراشد ، وأن يزيده من فضله ورحمته ونوره ، وبركته وهداه ، ورابعة يبيتها شيخنا الجليل مع ولده النجيب ليرسم له خطته العلمية والعملية حتى يرتقي في طلب المعالي ، وخامسة يغلب فيها على شيخنا الجليل تذكر الموت وقرب الرحيل ، ودنو أجله ، ولزوم سيره إلى مستقره ، فيبيت شيخنا وهو يكتب وصيته للشبل الذي وضع فيه أمله الكبير ، ولكنه في هذه المرة يخلط مداد الحبر بدموعه – المتساقطة رغما عنه – تارة لقرب رحيله وتذكر الموت ، وتارة لخوفه على هذا الفتى الرائع – المعقودة عليه الآمال – أن تتخطفه شهوات الحياة وشبهاتها ويقع في شباك العوارض التي ستعترض سيره إلى الله عز وجل ، وما أكثرها !!!
كان شيخنا يبحث منذ زمن عن هذا الشاب الذكي الفطن الذي سيرثه من بعده، فالإرث هذه المرة لن يكون إرثا عاديا ! ، لن يكون عاديا أبدا !!.
فهذا الفتى – الذي ليس من أبناء الشيخ – سيكون هو الوريث الوحيد !!!
وليس في الإرث وصية حتى تظن أن الشيخ قد أوصى له بالإرث دون أهله وأبنائه!!!
ولو أوصى له فليس في الوصية أكثر من الثلث !!!
لا تستغرب القسمة !!!
فضلا عن أن تقول إنها جائرة !!!
فشيخنا الجليل على سعة علمه وفقهه وتقواه ، فهو فيها مجرد مقلد !!!
يقلد في قسمته الأنبياء !!!
والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم…
وجد الشيخ قرة عينه التي لم يجدها في أبنائه ، وقربه وفضله على كثير ممن يعرفهم ، لذاك السبب ، فهذا الناشئ يمثل مشرعه الذي سيقدمه للأمة ، ومشروعا كهذا يستحق أن يبذل له من الوقت والجهد والروح الشيء الكثير ، وأن يسترخص في سبيله كل نفيس.
لم يكن شيخنا يشعر بحاجته إلى مثل هذه الأمنية أيام شبابه وطلبه للعلم وبذله في الدعوة، كان وقتها كل همه هداية الناس إلى الطريق المستقيم وتعبيدهم لله جل وعلا، وقد بذل كأحسن ما يكون البذل ! فما أروع بذله !! ، وقدم للأمة كأجمل ما يكون العطاء ! وما أعظم عطاؤه !!
لقد بدأت هذه الأمنية عند شيخنا في تلك اللحظة التي بدأ يشعر فيها بدنو الأجل ، نعم هو قد بذل في الدعوة طول حياته دون ملل أو كلل ، وما زال يبذل ، وليس لديه أي استعداد لأن يتوقف عن البذل ، بل كلما بذل كلما زادت رغبته في تقديم المزيد ، ولكن …
بعد وقفة محاسبة ، وتفكير في المستقبل البعيد ، ومراجعة لحاجة الدعوة ، ومصالحها ، بدأت هذه الفكرة تخرج إلى حيز الشعور ، وبعد أن تجاوز مرحلة الاقتناع بها ، بدأ مرحلة التطبيق ، وراح يبحث في وجوه الناشئة والشباب عمن يمكن أن يحمل هذا العبء الثقيل من بعده ، واختار أحدهم مرة ، وتحمس له ، وراح يبذل له ، ويناصحه ، ويعلمه ، وبعد فترة ، شعر شيخنا أنه أخطأ الاختيار ، فأمنيته لن يحققها هذا الشاب الذكي وليس بالزكي ، وبدأ يخوض غمار مرحلة أخرى جديدة ، يبحث عن شاب يجمع بين الذكاء والزكاء ، وقد وجده فعلا ، وكانت فرحته هذه المرة أشد من الفرحة الأولى ، وكانت المفاجأة !! ، كان مشروعه الجديد – الذي يجمع بين الذكاء والزكاء – ضعيف الهمة ، غير واثق بنفسه ، وشيخنا كان يريد شابا – مشروعا – خامته جيده ، فهو يشعر أن العمر قد لا يمتد به حتى يجهز الخامة بنفسه ثم يغذيها وينمي أصولها وجذورها حتى تنمو فروعها على أسس راسخة في الأرض ، وبدأ شيخنا يراجع نفسه ، كيف يبحث عن شيء لا يعرف مواصفاته ولم يحدد خصائصه وتركيبته ، ولم يقسمها إلى مواصفات أساسية وأخرى تكميلية ، لقد كان هذا درسا جديدا تعلمه من هذه التجربة سينقله إلى فلذة كبده حين يجدها ، وبدأ شيخنا يعود القهقرى متحيزا إلى أسلوب آخر ليبدأ الكر بتكتيك جديد ، أكثر إثارة .
لم يكن الشيخ مجحفا في مواصفاته التي اختارها وارتضاها لفارس المستقبل ، فلم يتمنى لهذا الشاب أن يجمع بين العبادة ، والتقى ، والورع -كالفضيل – وبين الاستعداد للقتال والجهاد في سبيل الله -كابن المبارك- ، وبين العقلية الفذة -كعقلية ابن تيمية- ، والحفظ الراسخ -كابن حجر -و الثبات في المحن والأزمات -كالإمام أحمد بن حنبل- . كلا، لقد فكر في بدايات العظماء والأئمة والمجددين كيف كانت؟ وما هي أبرز سماتهم وصفاتهم ؟ ليصطفي منها ما ينفع وتقدر الجهود البشرية أن تحققه.
أخذ جولة حول العالم الزماني والعالم المكاني مبتدأ بالرسول عليه الصلاة والسلام، وبدأ يستفز عقله وما فيه من تجارب وخبرات بأسئلة في الظاهر أنه لا جواب لها، لكنه حمد الله أنه كان يفكر لوحده وإلا لاستهجن طريقته الناس.
انتبه أنه يحتاج إلى ورقة وقلم ليدون ما يستنبطه من صفات، قام فاختار أحسن الأوراق لديه وأحسن الأقلام عنده وبدأ في غيبوبته الجديدة المثيرة.
وبعد أن انتهى عاد النظر في الورقة كرة أخرى وهو يقول : والله لئن أظفرني الله بهذا الفتى لأبذلن له ما يعينه على
أن ينفع هذه الملة دون أن أتوانى ، وهنا هدأ خاطرة لما لاحت له آيات من القرآن ، راح يسبح معها
، وكأنه يسمعها لأول مرة ، لم يستطع تمالك نفسه فبدأ يقرأ ويردد (( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم * إذ قالت امرأة عمران ربي إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم * فلما وضعتها قالت ربي إن وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم * فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب * هنالك دعا زكريا ربه ))

هنا هملت عيناه وتساقطت دموعه تبلل خده ، فقد شابه زكريا كثيرا …
إن زكريا يتمنى ولدا صالحا ، وهو كذلك .
وزكريا في نفس الوقت لا يملك شيئا لتحقيق هذه الأمنية ، وهو كذلك.
لقد وهن العظم من زكريا واشتعل الرأس شيبا ، ولم يكن شيخنا بأقل منه في ذلك.
وزكريا أيضا نشأ طائعا لله تعالى ، وشيخنا كذلك .
وزكريا خاف على قومه من الضياع ، وشيخنا كذلك.
وزكريا علق أمله بالله تعالى ودعا ربه ، وشيخنا كذلك.
وبدا الشيخ أعظم أملا وأشد طمأنينة وأكبر طموحا بعد هذه الآيات…. وعاد يكمل تلاوته بصوته العذب (( هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا و حصورا ونبيا من الصالحين ))…

اللهم هب لي من لدنك طالبا نبيها ينفع الأمة ويكون قدوة لها ..

Advertisements

9 تعليقات

  1. جميلة .. المقطوعة ..
    هل هذه المقطوعة من مقولك أم من منقولك ؟

    رد

  2. Posted by بدر الإسلام on أبريل 6, 2008 at 6:30 ص

    من مقولي .. أيها الطبيب ::

    ———–

    وفقك الله ..

    رد

  3. إبداع ………………………

    رد

  4. Posted by المجهول on أبريل 21, 2008 at 2:08 م

    جميلة

    واقول للجميع نحن في حاجه لاصلاح حالنا مع الله
    فالامة لا تنتظر من افرادها الضعفاء شيئا كثيرا
    وانما هي في حاجه لمن كانت علاقتهم بالله قوية ومتينة

    وبالتوفيق يا بدر الاسلام

    رد

  5. Posted by بدر الإسلام on أبريل 21, 2008 at 2:42 م

    سعيد الخزمري ..

    أشكرا لك

    رد

  6. Posted by بدر الإسلام on أبريل 21, 2008 at 2:43 م

    المجهول ..

    كان كتبت اسمك ، أتشرف بتعليقك

    وبمعرفتك .. مستقبلا ..

    رد

  7. Posted by وثاب on مايو 23, 2008 at 7:58 م

    -( مدخل )-
    مقال جميل، واضح كالشمس، لكن به معنى دفين

    يصدق على بعض الطلبة أنهم يئدون العلماء..
    وكذا على بعض المدن، كالشيخ محمد بن مسلم بن عثيمين الذي ذكره الشيخ العييري..
    فهو علامة من طلبة الإمام السعدي، وسألت من جالسوه فذكروا سعة علمته، وكثرة استشهاداته..
    لكنه في بلدة للأسف تئد العلماء، إذ لم ييسر الله تعالى له طالباً نجيباً..

    الجميل في هذه الأمنية أنه يمكن أن توجه لفئتين من الأمة..

    -( مخرج )-
    لفتة جميلة لكم أيها الدعاة.. فهل فطنتم لها؟؟
    وعسى أن يكون لمتابعي المدونة نصيب من الشطر [ وقد أسمعت إذ ناديت حياً ]..

    رد

  8. Posted by بدر الإسلام on مايو 26, 2008 at 11:58 ص

    -( دوار )-

    أخي وثاب :

    جزاك الله تعالى كل خير

    وشكرا على هذه الملاحظة الدقيقة

    محبك

    رد

  9. -( مخرج خدمات )-

    لذلك كان جل أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم من الشباب صغار الأسنان !!

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: