.: مع الشيخ محمد الدويش :.


هذا جزء من حوار موقع المسلم مع الشيخ محمد الدويش ..
بتاريخ : 27 /5/1429 هــ
اقتطفت منه هذا المقطع الهام ..

المسلم: هل طريقة التلقين التربوي بمعنى إلحاق مسؤولية مجموعة من الأفراد إلى شخص واحد يسمى المربي، ويظل معه لفترة من الزمن ليلقنه تلقينا تربويا ويعتبر المربي هو مصدر التربية الوحيد هل هي عملية تربوية علمية وصحيحة ومفيدة تربويا؟
ج: هذا الأسلوب ينطلق من نظرة للموقف التربوي تفترض أن هناك شخصين الأول مرب يملك خبرات ونعارف عالية، والثاني مترب يأخذ عنه كل شيء ويتلقاه، والواقع خلاف ذلك بكثير، فالمربي إنسان قدراته وخبراته وإمكاناته محدودة، والمتربي له وجوده وقيمته، وهو بحاجة إلى أن ينمو نموا متوازناً ومتكاملا، وينبغي أن يتفاعل مع الموقف التربوي إذا ما أردنا له أن يتربى بطريقة صحيحة.
والمدارس التربوية اليوم تتفق على أن هذا الأسلوب أسلوب عقيم وغير مجد، أياً كان موقع ممارسته.
المسلم: وهل هذا النموذج موجود بكثرة ؟
ج: نعم هو نموذج موجود، ومنتشر، وليس قاصرا على البيئات الدعوية فهو موجود في الأسرة، والمدرسة وحلقات العلماء والمشايخ، والاختلاف إنما هو في وصره وأشكاله لا في جوهره.
المسلم: كيف إذا وجد خلل في عملية تربوية كيف تحدث إن جاز التعبير تلوثًا تربويًا، كيف يخرج المتربى من هذا الإطار؟
المسلم: هل من نصيحة أو رسالة من فضيلة الدكتور محمد الدويش، لقادة العمل الإسلامي أو المختصين من المربين في العمل الإسلامي في هذا الجانب بالذات؟
ج: أولاً، يجب أن نحترم شخصية المتربي، ونعتبر أن له استقلاليته وله شخصيته، وأنه يجب أن يكون فاعلا في الموقف التربوي ومساهما في صناعة الموقف التربوي، وواعيا للموقف بكل ما فيه، وأن يتجاوز مجرد كونه سلبيًا يتلقى فقط ، وأن يتحول المربي إلى دور التوجيه والإدارة أكثر من دور السيطرة والتلقين، فإذا كنا نريد شخصيات فاعلة، فلابد أن نحدث هذا التغيير.
ثانيا: لابد أن تتعدد القنوات، وتتنوع الأدوات والوسائل، فقديمًا كان السلف يؤكدون على الرحلة في طلب العلم، ويعتقدون أن الرحلة أحد أدوات بناء شخصية طالب العلم، وأنك لن تعرف خطأ شيخك حتى تصاحب غيره.
إن القدرات التي يمتلكها المربون اليوم ضئيلة جدًا، لا تتلاءم مع ما كان يملكه أهل العلم آنذاك ومع ذلك كان يؤَكد على طالب العلم، أنه يجب أن يرحل، وجزء من أهداف الرحلة مرتبط بسماع الجديد، لكن جزء منه مرتبط أيضًا باكتساب ثقافة جديدة، وبطرق تفكير جديدة، وهذا ظاهر على شخصية العلماء حين ندرس سيرهم.
المسلم: البخاري كان له ألف شيخ مثلا
نعم
المسلم: نحن إزاء مشكلة مزدوجة، ما بين مرب يريد أن يسيطر على المتربي وبين مترب لا يريد أن يفكر في هواء طلق، فبعض المتربين عالة على المربين ، يريد أن يفكر له هذا المربي، يلبس بنفسه طوقا..
ج: نعم، والمربون هم من صنعوا ذلك واللوم ينبغي أن يتجه لهم، فالمتربي نتاج تربية من البداية، و نتاج ثقافة عاش فيها، فحين يعيش المتربي بيئة تسعى إلى تهميش دوره وترى أن مهمته أنه يتلقى ويسمع، وإذا بذل جهدا ، فالجهد فقط في فهم ما يقال له وليس في إعمال عقله وصناعة الموقف، فلن نتوقع منه ألا أن يكون عالة.
المسلم: وماذا عن مصطلح المحضن التربوي، هل له دلالة تربوية نافعة ؟
ج: ليست المشكلة من وجهة نظري في المصطلح فنحن الذين نؤطر دلالته، إنما هي في الفليفة والممارسات.
المسلم: لكن كمصطلح؟
ج: كمصطلح، لا أعتقد إن فيه مشكلة
المسلم: ألا يوحى بنوع من السيطرة كالمحضن الذي يربى فيه الوليد أو ماشابه؟
ج: المشكلة في الثقافة وليس في المصطح كما أشرت، ولهذا فهذه الثقافة تمارس في المدرسة، وتمارس في الأسرة، وتمارس في حلق العلم، وفي كافة المؤسسات التربوية.
المسلم: ماهي الطريقة المثلى لتوجيه التفكير، نريد بعض التوجيهات الأساسية أو المحاور الأساسية للعملية التربوية لتغيير أو توجيه طريقة التفكير أو التوجيه الإصلاحي ؟
ج: أولا : نحتاج إلى أن نؤمن بأن من دورنا أن نبني العقول، وأن نعلم من نربيهم طرائق التفكير، فالواقع إذ هذه الأهداف ليست داخلة ضمن دائرة الاهتمام في بيئاتنا التربوية، بل إننا نجد في بعض الأوساط العلمية- وبالأخص السلفية منها – هاجساً كبيراً من مصطلح العقل العقل، وتطرفاً في التعامل معه.
ولعل وصف بعض المخالفين وأهل الأهواء بأنهم عقلانيين أدى إلى إيحاء سلبي في الموقف من العقل، ولو أن الله عز وجل لم يرد لنا أن نستخدم العقل لما خلق لنا عقولا، والقرآن والسنة مليئان بالبحث عن العقل والتفكير والنعي على من لا يستخدمون عقولهم.
إننا ينبغي أن نستهدف في تربيتنا- سواء في مؤسسات دعوية أو في الأسرة أو المدرسة- بناء العقل بشكل مستقل عن غيره بالمجالات الأخرى، إذ هو يأتي في الغالب تبعا وليس مستهدفا بذاته، فإذا أردنا أن نزيد قدرة الطالب على الاستنباط الفقهي تأتي المهارة العقلية خادمة لهذا الهدف لا أن تكون مقصود بذاتها.
و تنمية التفكير والعقل ليست مجرد مجموعة أفكار وخواطر ، إنها عملية تراكمية تبدأ بالمربي الذي يمارس التربية فيجب أن تبني عنده هذه القدرات بشكل صحيح، ثم نزوده بالأدوات التي يمكن أن تسهم في بناء التفكير لدى المتربين، هذه هي القضية المحورية لا يمكن أن تتم من خلال مجموعة من الأفكار والقدرات المحدودة لها ما لم تكن ذات أهداف وبرامج تتلاءم معها.
المسلم: هل يمكن طرح هذا الموضوع وأعني به بناء العقل، وهل ممكن أن يكون فيه محاضرات أو مؤتمرات أو غير ذلك لأنه موضوع هام؟
ج: الحديث عن أهمية التفكير وتعليم التفكير مثار الآن في ميدان التعليم بشكل كبير، وهناك مدارس ومشروعات علمية وإدارات خاصة في المؤسسات التربوية تسعى لذلك، لكن في الأوساط الدعوية مازال الأمر يعاني من مشكلة كبيرة، وبالأخص في الأوساط السلفية، ولازال هناك هاجس تجاه التعامل مع هذه القضية، وهناك تضخيم للنظر لآثار الانحراف التي نشأت عن خلل في التعامل مع العقل.
فلم يكن مصدر انحراف الفرق التي انحرفت أنها تعاملت مع العقل أو وظفت أدواته، ولكن لأنها تعاملت مع العقل بصورة غير صحيحة، فقدمت العقل على النقل، أو أنها أدخلت العقل في دوائر ليست من ضمن مجاله، وهذه نتفق على أنها غير صحيحة، لكن هناك مساحة واسعة جدًا يتحرك فيها العقل حجبناها، وهناك جهد يجب أن نقوم فيه ببناء العقل وتطوير أدوات التفكير، أهملناه كثيرًا، نتيجة هذا الهاجس.
المسلم: هل هذا الهاجس فقط، أم خشية البعض من إتاحة المجال للتفكير لربما خرج الناس من دائرة الاستحواذ؟
ج: نعم ما تقوله موجود فحين نتيح المجال للناس في التفكير، وننمي قدرتهم عليه، فسوف يتجاوزون الخطوط الوهمية التي نرسمها لهم ليتحركوا في خلالها، ويقفزون على الحواجز التي نضعها شعورا منا بأنها سبيل لحمايتهم.
والمشكلة الأكبر أن هؤلاء المربين لا يملكون الأدوات فبناء كثير منهم ضعيف، وهم نتاج تربية لم تكن تعنى بهذه الأهداف، وهكذا تدور الحلقة فهؤلاء المربين تربوا على نموذج معين، وأنت تطلب منهم مالا يحسنون.
إنه لا يمكن أن نأتي بمرب لم يتعلم منهجية التفكير بشكل صحيح، ولا يمتلك أدواته العقلية بشكل جيد، ونعطيه كتابا أو محاضرة أو فكرة في التفكير الإبداعي أو الخلاق فيتحول إلى إنسان مبدع.
المسلم: نلحظ أن الجميع يكرر نفس الخطاب في مسألة التفكير فلماذا عند التطبيق يخشى الكثيرون من تطبيقها؟
ج: ليست المشكلة يا أخي قاصرة على مجرد الاقتناع بأهمية الفكرة، فالتفكير مهارة لا بد ان تكتسب بوعي، وهي مهارة تراكمية لا تتحقق من خلال قراءة أو محاضرة أو درس.
المسلم: وهل المتخصصون تربويًا مؤهلون لمهارة الاهتمام بالعقل أو إنضاج العقل ؟
ج: هناك عدد ممن يتناول هذه القضايا ويكتب عنها وهو يفتقر إليها أصلا، إنه نتاج تربية سابقة لها طبيعتها، ولأنه أصبح يتعامل مع قضايا التفكير والعقل كمعرفة مستقلة، فقرأ كتابا أو كتابين أو ثلاثة أو حتى عشرين كتاب، في مهارات التفكير، وعرف مجموعة من المهارات والمصطلحات الهامة، وتصور أنه من خلال هذا وحده سيكون قادرًا على ممارسة التفكير بشكل صحيح.
دعني أقرب لك الصورة، فالإلقاء على سبيل المثال مهارة يكتسبها الإنسان من خلال التدريب والممارسة، وهي مع ذلك تحوي أصولاً نظرية، وهؤلاء الذين يتحدثون في التفكير مثل شيخ لا يجيد الإلقاء ولم يتدرب عليه كمهارة، إنما قرأ كتباً عديدة في مهارات الإلقاء، فاكتسب معرفة معينة، لكن هذه المعرفة لن تحوله إلى إنسان قادر على الإلقاء،
أعطيك صورة أكثر وضوحًا، فعندما نتحدث عن السباحة كمهارة بدنية، فمهما حاولت أن تعطي الإنسان قواعد في كيفية ممارستها السباحة فلن يستطيع بعدها أن يطفو على الماء؛ لأنها مهارة تحتاج إلى مزيد من التدريب إلى أن يتقنها الإنسان فيمارسها بعفوية، وهكذا سائر المهارات، سواء أكنا نتحدث عن مهارة حركية أو مهارة تتعلق بأداء عقلي أو فكري.
إذن فالتفكير مهارة تراكمية أعقد من المهارات الحركية ، وحينئذ لا يمكن أن يتم إكسابها للمربين من خلال مجموعة توجيهات أو محاضرات

انتهى المقطع وهذا هو رابط الحوار الكامل ..
http://www.almoslim.net/node/94306

..

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: