::. الاستجابة للحرف ::.


قليل من الناس من يشعرون بقيمة الحروف ، والكلمات ..
وقليل من يستجيب لها …

ربما تكون كثرة سماع الهراء ، أعقبت تجاهل النفيس من الألفاظ ..
وربما موت القلوب وانغماسها في الشهوات خلّف هذا الداء ..
وربما أن الاستجابة للحرف تحتاج عقلا ، وفهما متميزين ..
وربما أن الاستجابة للحرف تحتاج صفاءا لغويا ، وفصاحة عربية تفهم أساليب الكلام ومراده ..
كلها تعد أسبابا … ولكنا لن نناقش الأسباب ، بل سنبحر في أعماق الظاهرة لنرى صورا شتى ، ومظاهر عديدة تبين لنا المقصود بجلاء ظاهر ، وتزيح عنه لثام الغموض ببنان طاهر ..
وأول الاستجابات التي تعترض طريقنا استجابة أعرابي لآية من كتاب الله تعالى فقد ورد عن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى : (وفي السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) صرخ وقال : من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه لليمين ؟.
فكم منا يقرأ الآية أو يسمعها ولكن لا يقع في نفسه ما وقع في نفس الأعرابي من هذا المعنى الذي يدل على أنه لم يسمع بأذنه فقط بل بعقله وقلبه .. فلله در انتباهته ، وما أروع استجابته !
وثاني الاستجابات هي : استجابة الجن لما سمعت سورة الرحمن من الرسول عليه الصلاة والسلام فعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه ) قال : لما قرأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) سورة ” الرحمن ” على الناس سكتوا ، فلم يقولوا شيئا ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه و سلم  ) : ” الجن كانوا أحسن جوابا منكم ، لما قرأت عليهم ” فبأي آلاء ربكما تكذبان “قالوا : لا ولا بشيء من آلاء ربنا نكذب ”
وأما الثالثة فاستجابة ( سعد بن معاذ رضي الله عنه ) عندما استشار الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين هل يثبتوا لمواجهة المشركين الذين تجهزوا لحربهم أم يعودوا إلى المدينة بعد أن أفلتت قافلة قريش ؟ .. فقام المقداد وغير واحد من المهاجرين يحرضون النبي عليه الصلاة والسلام على القتال ويعدونه بموأزرته ، ومن تأمل الموقف عرف أن الرسول أن السؤال لا يقصد به المهاجرين أبـدا فهم قد تركوا ديارهم وأموالهم في مكة من أجل مناصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولذا فقد كانت روعة ( سعد بن معاذ ) حين قام من بينهم وقال ( والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ) هذا هو الشاهد ، وهذه هي الاستجابة الواعية التي نعنيها في هذه الكلمات ، واسمح لي بإكمال كلام سعد وإن كنا لا نقصده في مقامنا هذا (  .. لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة .. والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا .. إنا لصبر في الحرب .. صدق في اللقاء .. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله   ).
والرابعة استجابة الملائكة لكلام عبد من عباد الله تعالى  فعند  الترمذي وأبي داود والنسائي من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطست ، فقلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فقال : مَن المتكَلِّم في الصلاة ؟ فلم يُكَلِّمه أحد ، ثم قالها الثاني: من المتكلم في الصلاة ؟ فقال رفاعة بن رافع بن عفراء : أنا يا رسول الله . قال : كيف قلت ؟ قال : قلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يَصعد بها.
فتأمل كيف ابتدرت الملائكة حمدا العبد لرب رب العالمين تسارع وتسابق في الصعود بها لما في صيغة الحمد من معنى زائد ورائع وممتد حيث جعله ( مستغرقا بأل ) ثم ( مؤكدا لفظا ) ثم ( كثيرا ) ثم ( طيبا ) ثم ( مباركا فيه ) ثم ( مباركا عليه ) حتى بلغ المنتهى في قوله ( كما يحب ربنا ويرضى ) .. فانتبهت  الملائكة أن هذه الصيغة من صيغ الحمد لها منزلة على غيرها فأحب كل ملك برفعها ليحوز شرف هذا الحمد ونقله إلى رب العالمين ( وهو به أعلم ).

وأما الاستجابة الخامسة : فعن أبي سعيد الخدري ، : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : ( إن الله خير عبداً بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين لقائه ، فاختار لقاء ربه ) ، فبكى أبو بكر وقال : بل نفديك بآبائنا وأبنائنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اسكت يا ابا بكر ) ، ثم قال : ( إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً من الناس ، لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، ألا لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر ).
ولن أعلق على روعة استجابة أبي بكر رضي الله عنه فقد علق عليها أبو سعيد حيث قال بعد روايته للحديث : العجب يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة وهذا يبكي ، وإذا المخير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا الباكي أبو بكر ، وإذا أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم  ).

والاستجابة السادسة تبينها صورة تتكرر يوميا في الصلوات الخمس ، فهذه الاستجابة التي يفعلها الناس بلا حس ولا شعور ، وكان الواجب أن تكون بخشوع حتى تؤتي أكلها .. هذه الاستجابة ، هي استجابة المصلي لما يتلى عليه من فاتحة الكتاب ، فبعد قوله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين ) يقول المصلي : آمين بمعنى اللهم استجب ..
وهذه الاستجابة ، ضرورية ، لأنها أولا أمر شرعي وثانيا لأنها من المفترض أن تعبر عن وعي المصلي بصلاته ، ودعائه الذي يدعو به ، وتدبره لمعاني القرآن التي يسمعها ..

والسابعة  ، والثامنة والتاسعة والعاشرة ..  فصور الاستجابات كثيرة ، ونماذجها عديدة ، والمقام يطول بحصرها ولكن لعل ما أوردته بين حقيقة المعنى ، وأفصح عن جديد ..

وللشعر نصيب من الحديث ، فمنه أبيات تجبر من يسمعها بقلب واعي ، وعقل حصيف أن تستجيب لها وتهتز وكما قيل :
إذا الشعر لم يهززك عن سماعه     فليس جديرا أن يقال له شعر

وأما الذي جعل قلبه حجرا صلدا ، وسمعه فيه وقرا ، وأمرها مرور الكرام ، ولم يلق لها بالا ، فهذا من نقص النفوس ، وضعف العقول  وخذ مثلا قول قيس ليلى :
يارب لا تحرمني حبها أبداً … ويرحم الله عبداً قال آمينا

فالسامع لهذا البيت بقلبه يجد فيه نزوعا ، وقوة تجبره أن يقول آمين إلا لمن عقله و وجد تحفظا من وجه من الوجوه فله الحق في ذلك.
وقول القحطاني في آخر نونيته :
بالله قولــــــــــوا كلما أنشدتم     رحم الإله صداك يا قحطاني
فهذا استحلف بالله أن نقول كلما أنشدنا ندعو له بالرحمة .. والمستشعر لما يسمع سيقولها تلقائيا بمجرد سماعه لعدد من أبيات القصيد ..
ومن الاستجابة أيضا : ملاحظة مواضع الغرابة أو الحلاوة واللذة في الكلمات التي يسمعها وبالتالي يكون التفاعل معها ..

ومن الاستجابة معرفة ( قيمة الكلام وهل الذي قيل فيه الشعر يستحقه أم لا ) ومثال ذلك قول ابن تييمية لما سمع أبيات المتني
إذا صح منك الود فالكل هين *** وكل الذي فوق التراب تراب
قال أن هذه لا تنبغي إلا أن تكون في الله تعالى ..
أما أصحاب القلوب الغلف ، فيطربون للبيت دون انتباهة ألمعية كانتباهة المتنبي ..

ومن الاستجابة أيضا : إجابة المتكلم إن كان أهلا للإجابة أو  الرد عليه بما يناسبه .. ألا ترى سائل الحاجة في المسجد يشرع أن يقال له : لا ردها الله عليك .. بمعنى ( كيف تسمعون أيها المؤمنون رجلا ينشد ضالة في مكان قد خصص للعبادة وتسكتون عليه ! )

أخيرا : فإن الكلام حمال وجوه ، ولكل موطن وجه من وجوه الكلام أليق به ، فمن أراد أن يفهم فليعرف ” احتمالات الكلمات ، ومواطن ذكرها ، وطبيعة قائليها في الدقة والالتزام ” لكي يحظى بفهم مقاصدها و أقرب معانيها .

والسلام مسك الختام ..

Advertisements

14 تعليق

  1. سأحاول الاستجابة .. بالإجابة ..

    إنت كيف فكرت في هذا الموضوع .. ؟؟

    ما شا الله عليك

    بس هذا قبل الزواج و للا بعد ..

    محبك

    رد

  2. ما شاء الله تبارك الله

    هذا كله من بركات الزواج.. 🙂 ؟

    زمان عن مثل هالمواضيع الجميلة..

    بوركت أبا عيسى..

    رد

  3. Posted by بدر الإسلام on أغسطس 11, 2008 at 10:29 ص

    أبو الحسن :

    صراحة هذا من مواضيع قبل الزواج ..

    ومن مواضيع بعد الزواج :

    1- حديث عن مصر ( لأني كنت في زيارة لأقاربي ) .
    2- نظرات في البرمج التربوية ( الاستعداد الذهني )
    3- نظرات في البرامج التربوية ( الافتاء التربوي )

    أسأل الله أن يتيسر كتابتها قريبا ..

    رد

  4. Posted by بدر الإسلام on أغسطس 11, 2008 at 10:29 ص

    العلولا :
    أنت لست شيء من جنون بل أنت الجنون كله !!

    وشكرا لمرورك ..

    رد

  5. Posted by أبو الحارث on أغسطس 12, 2008 at 5:51 ص

    جزاك الله خيرا أبا عيسى وحمد لله على سلامتك وعجل علينا بمواضيع بعد الزواج,
    وشكرا

    رد

  6. Posted by بدر الإسلام on أغسطس 12, 2008 at 6:25 ص

    يا أبو الحارث ..

    طيب ما عجبك شيء في الموضوع .. ولا إيش ؟!

    رد

  7. Posted by الحازمي on أغسطس 16, 2008 at 8:16 ص

    ومن الممكن أن تكون الإستجابة معنوية في باديء الأمر
    فإننا نحتاج إلى استجابة معنوية كلما قرأنا أو سمعنا آيات الله تتلى حتى تتحول هذه الإستجابة المعنوية إلى حسية فتكون على صورة زيادة في النوافل والطاعات والقرب من الله أكثر
    وجزيت خيرا ياأباعيسى وبورك بنانك

    رد

  8. Posted by أبو الحارث on أغسطس 17, 2008 at 4:17 ص

    أقرأ الأربعة أسطر في من قولك “ربما ” وستعرف لماذا لم أعلق على الموضوع؟

    في الحقيقة آيات كثيرة وأحاديث تستوقفني وأن أقرأ كلام الله جل وعلا وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأحس بهزة في وجداني ولا أستطيع أن أعبر عما أشعر بداخلي من شدة وقعها علي، خذ أمثلة:
    (ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا)
    ( قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا)
    ( ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض..)
    وفي الحديث: ( ما الفقر أخشى عليكم … )
    ( كل الناس يغدوا فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها)
    وغيرها الكثير الكثير !!

    كل هذه لابد أن تحدث نوعا من الاستجابة ( العملية ) ولكننا كثيرا ما نتأخر عنها!!!

    وأزيد مظهرا على ما ذكرت وهو قوله تعالى ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت..) فلما سمع ذلك الرجل من أهل الكتاب هذه الأية أخذ يتلمس وجهه ويرى هل هو كما هو أم تغير كما سمع في الآية وكان ذلك سبب إسلامه.
    جزاك الله خيرا وعذرا على الإطالة.

    رد

  9. Posted by بدر الإسلام on أغسطس 17, 2008 at 11:44 ص

    الحازمي :

    هل نتوقع منك مدونة أدبية في القريب العاجل أم … ؟

    وشكرا على تعليقلك ومرورك .

    رد

  10. Posted by بدر الإسلام on أغسطس 17, 2008 at 11:47 ص

    يعنى قصدك : كثرة سماع الهراء !!

    طيب يا أبو الحارث ، أنا أوريك ..

    شكرا يا أبو الحارث مشاركة جيدة ..

    رد

  11. Posted by ســـامي on أكتوبر 6, 2008 at 7:51 م

    مواضيعك لطيفة تلامس أشياء لا نركز عليها في حياتنا لكن تأثيرها واضح و قوي علينا.
    ما شاء الله تبارك الله ،،

    رد

  12. Posted by بدر الإسلام on أكتوبر 6, 2008 at 9:32 م

    وأنت أيضا .. لطيييييييف ..

    رد

  13. Posted by ســـامي on أكتوبر 13, 2008 at 12:01 م

    هههههههههههههههههه

    قصدت بلطيفة .. خفية ، دقيقة .

    و إن فهمتها (رقيقة) و (دلوعة) فلا بأس 🙂

    رد

  14. Posted by عبدالمجيد القرني on فبراير 16, 2009 at 6:20 ص

    جزاك الله خير و زاد من أمثالك بصراحة موضوع جميل العرض والفكرة

    أتمنى منك مواصلة الإهتمام بهذا المنطلق الدعوي الرائع
    “”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

    بصراحة أشتقنا لك من زماااااااااان عنك……….

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: