نظرات في البرامج التربوية ( أيضا بناء العقل)


هذا المقال هو استطراد على المقال السابق الذي يتحدث عن قضية بناء العقل في الأوساط التربوية ، لذا فهو مكمل له ومتمم ، ولعل المقالين يتعاونان في لتنبيه المربين على ملمحين مهمين في مسألة بناء العقل ، وفي مقال لاحق سنبين بإذن الله تعالى الملمح الثالث حيث سيكون حتف هذا الإستطراد – الغير ممل – لعله كذلك .. 

 

أيضا مع بناء العقل وملمح جديد وقضية رئيسة أخرى وهي ( تفعيل دور القرآن الكريم في بناء العقل المسلم ) فللقرآن دور أساسي  في تهيئة العقل المسلم للدور الحضاري والقيادي لبقية الأمم ، ولا يتسع لمقام للحديث  حول الموضوع بكامله ، ولكن يكفي أن أشير – قبل البداية – إلى ألبوم من 6 أشرطة للدكتور عبد الكريم بكار حفظه الله تعالى .. بعنوان ( بناء العقل في القرآن الكريم ) .. 

 

يكفينا في هذه العجالة أن نتكلم عن ثلاثة محاور فقط تخص دور القرآن الكريم في بناء العقل المسلم وهي كالتالي : 

 

– غرس النزاهة الفكرية : ونعني بالنزاهة الفكرية هي مجموعة الأخلاق التي تحافظ على العقل وتمنعه من تدمير نفسه والمجتمع الإنساني ، والنزاهة الفكرية تشمل عدد كبير من الأخلاق منها ( الرجوع للحق متى تبين ، توظيف الفكر فيما يخدم الناس ، وفي نصرة الحق ، عدم استخدام النتاج الفكري في المصالح الشخصية على حساب الناس ، ترك الإعتماد على الباطل في الوصول إلى الحق ، والبعد عن تزيين الباطل للناس ، وترك كتمان الحق أو لبسه بالباطل ) وكل هذه الأخلاق وغيرها يمكن للمتأمل في كتاب الله تعالى أن يلحظها ، ويتتبع كيف يحرص القرآن الكريم على غرسها في النفوس والتنفير من مخالفتها وعل سبيل المثال قول الله تعالى  ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) وقول الله تعالى ( كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم   أو الوالدين والأقربين ) وقوله تعالى ( إلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) وقوله تعالى ( وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) وغيرها من الأدلة .. 

 

كيفية توظيف التاريخ  : التعامل مع التاريخ أيضا قضية غاب فيها العقل المسلم ، ولو تابع سيره الحضاري الحثيث ولم يعط الفرصة للغربيين في الأخذ بزمام التقدم ، لرأينا من المد العلمي الإسلامي عجبا ، خاصة وأن بداية كتابة التاريخ كانت بأيدي المؤرخين الإسلاميين وكانت النقلة النوعية على أيديهم ومن أبرزها ( تاريخ بن خلدون ) ، ولكي لا نبتعد كثيرا عن الموضوع نعود فنقول : أما ما يتعلق بقضية توظيف التاريخ فنتناوله في النقاط التالية : 

 

1-في القرآن نلحظ الحث على النظر والتفكر في الأمم السابقة وأحوالهم ومآلات أمورهم وأسباب ذلك ، وهذه حقيقة وإن كانت معروفة في الأذهان إلا أنها غائبة عن التطبيق ، ومثال ذلك : اهتمام الكثير بالأحداث والوقائع التاريخية دون النظر للعبرة منها ، ومعرفة أسبابها الحقيقية . 

 

2- ليس الإعتماد على التاريخ ماضوية ، كما يدعي البعض وهذا واضح في كتاب الله تعلى . 

 

3-استغلال البعد التاريخي للشعوب في إصلاحها وحثها على النهضة كما نجده في قوله تعالى (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ..

 

وأمور كثيرة أخرى ، عرضها الله عز وجل على عباده ليعرفوا أن التاريخ له دور أساسي في تحريك الأمم وبعث الحضارة ، واستنهاض الهمم ،  بقي الآن الأمر الثالث والأخير في موضوعنا وهو : 

 

3- تحديد دور العقل وقدراته : وهذا واضح من خلال ( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) فالعقل لا يعلم كل شيء ولكنه أداة للإدراك ( والله أخرجكم من بطون أُمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) وبالتالي فهو لا يعلم أن هتناك عالما غيبيا ومصيرا حتميا سيبلغه بعد وفاته ولن يتستطيع مهما تفكر في معرفة حقيقته ولذا فإنه إن أنكره وقع في مصيبة وداهية تتمثل في فقد حقيقته في الحياة الدنيا ولذا مدح الله تعالى المؤمنين فقال ( والذين يؤمنون بالغيب ) ، ومن هنا نأتي لقضية أن العقل معتمد على غيره في معرفة الحقائق وليس له المقدرة على معرفتها بذاته فلابد له من وسيط وكل أمر وله رجاله فأمر الدين وما يتعقبه من أمور الدنيا فمن الأنبياء والرسل وتفاصيل أمور الدنيا مما لا يتناوله الشرع فمن أهل الإختصاص ، وعرفنا من القرآن أن الإنسان قد يحب ما فيه ضرره ، وقد يكره ما فيه مصلحته ، والعبرة بخواتيم الأمور وحقائقها وليس بظواهرها ومظاهرها ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لاتعلمون ) وغيرها من الآيات الواردة في هذا الموضوع .. 

 

 

 

في نهاية المطاف لا يسعني إلا أن أشكر لكم متابعاتكم على الرغم من طول الموضوعات قليلا ، وأسأل الله تعالى أن نكون عونا لبعضنا البعض في طاعته والبعد عن معصيته .. وجزاكم الله تعالى كل خير .

Advertisements

7 تعليقات

  1. Posted by ســـامي on أكتوبر 1, 2008 at 10:23 ص

    لي عودة ..
    لكن من العايدين مقدما 🙂

    رد

  2. كل ما نروح عند أحد المتكلمين في التربية .. يلفوا و يدورا حول نفس الموضوع ..

    و كل يرى الموضوع من نافذة بيته الذي يحبه .. تنبيهك و القيم التي تحملها من خلال القرآن كبيرة يا بدر .. !!

    رد

  3. Posted by بدر الإسلام on أكتوبر 4, 2008 at 11:01 ص

    وضح يا أبا الحسن ..

    هل تقدصد : مثالية أم ماذا ؟

    رد

  4. Posted by بدر الإسلام on أكتوبر 4, 2008 at 11:01 ص

    سامي ..

    بانتظارك

    رد

  5. Posted by ســـامي on أكتوبر 6, 2008 at 6:15 ص

    دور القرآن في التربية (بناء العقل) ,,> جميل
    عرضت 3 نقاط :
    – أخلاقيات مفروضة علينا مأمورين باتباعها .
    – التاريخ ، ضرب الأمثلة .. أهمية الأمثلة في الحاضر.
    – حدود العقل و الخطوط الحمراء التي لا ينبغي عليه تجاوزها.

    لا أعتقد أن أبو الحسن قصد أن الموضوع (كبير) = مثالية .
    لكن قصد أن الموضوع واسع صعب الإحاطة به و هذا ما أظنك عانيت منه حيث اخترت لنا 3 نقاط ارتأيت أنت أهميتها .

    و لكن تمنيت لو كانت المواضيع في سياقاتها مثلا .. عندما تحدثت عن التاريخ شعرت بأنه مقتطع من سياق آخر بين النقطتين ، فلو وضعته في موضوع لوحده ذكرت فيه نبذة عن أهمية التاريخ و أردفت بالأسلوب القصصي في القرآن و السنة ثم تأثيرها الخ ..

    بالفعل أجد الموضوع كبير .. يصعب علي حصره .

    عذرا على التأخر كنت مسافر

    مشكور أخي ..

    رد

  6. Posted by ســـامي on أكتوبر 6, 2008 at 6:48 ص

    ….

    “يلفوا و يدورا حول نفس الموضوع ..
    و كل يرى الموضوع من نافذة بيته الذي يحبه ..”

    ممم .. ربما قصد المثالية !
    لكن ..؟! كيف ..؟

    لو كان هناك خاصية التعديل .. لعدلت أشياء كثيرة .. المهم (أقل عثرتي) أقال الله عثرتك.

    رد

  7. Posted by بدر الإسلام on أكتوبر 6, 2008 at 11:31 ص

    سامي ( 1) : ( يعني التعليق الأول ) :

    تلخيص جميل وموفق .. والمراد لفت الإنتباه لأن موضوعي الأساسي هو ( نظرات في البرامج التربوية ) ( بناء العقل ) ..

    وهذا مثل الاستطراد فلا ينبغي الإستفاضة فيه ..

    والمراد أن ينتبه المربي إلى هذه النقاط ويضيف عليها أو يتوسع في مصادر أخرى ..

    سامي ( 2 ) :

    لا عليك من كلمة المثالية التي قلتها أنا .. إنما قلتها لأسحب كلام أكثر من أبي الحسن .. لما يحس إن ( تعليقه في جهة ) ( وفهمي في جهة أخرى ) ..

    أخيرا :
    شكرا على تفاعلك ..

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: