من كتاب ( مدخل للأدب الإسلامي ) د.نجيب الكيلاني


•    البطل في الأدب الإسلامي

البطل في العمل الأدبي ـ قصة أو مسرحية أو ملحمةـ هو تجسيد لمعانٍ معينة، أو رمز لدور ما من أدوار الحياة وخاصة الهامة منها، وقد يكون هذا البطل أنموذجاً يحتذى، أو مثالاً سيئاً يولد النفور والاشمئزاز، وهو في كلا الحالين ذو تأثير إيجابي قبولاً أو رفضاً، وكلما كانت الشخصية ـ البطل ـ قريبة من الواقع، حافلة بعناصر الإقناع، مكتملة الملامح والسمات، أصبحت أكثر جاذبية وأعمق تأثيراً.
وكانت الترجيديات الإغريقية تختار بطلها من الملوك والأمراء والقادة الكبار، بينما الواقعيات الحديثة بالإنسان العادي البطل، الذي يصارع من أجل حياة أفضل، وكان المثال ـ البطل ـ الإغريقي يصارع قوى الشر وآلهة الأولمبي ، وفق قناعات وثنية مادية، بينما المثال في الواقعية الاشتراكية مثلاً ينازل التمايز الطبقي، والاستغلال الرأسمالي،في جو من الأحقاد والحزازات وسوء الظن، طبقاً لفلسفة معينة تستند إلى ما يسمى بحتمية الصراع الطبقي، وانتصار طبقة بعينها هي طبقة البروليتاريا.
ويتميز البطل (الوجودي ) بحساسية مفرطة، ووعي عقلي فلسفي يبدو جليا في تصرفاته وأحكامه وسلوكه، كما يبدو في رفضه الكامل لكل المسلمات القديمة ـ صحيحها وباطلها ـ وينفر من القيم الدينية وأخلاقية، ويظن أن هذه أنما جاءت لتكبل إرادة الإنسان، وتهدم حريته التي تعتبر أهم قيمة في وجوده، ولذلك جاء البطل متمرداً رافضاً ساخطاً على كل شيء في الحياة القائمة.

وفي هذا الجو أيضاً ولد البطل العبثي الذي لم يجد في الحقيقة قيمة يتشبث بها حسبما صور له وهمه، فلا هو نعم بالإيمان الموروث، ولا هو ابتدع بناء خلقياً جديداً، بل لم يجد أي جدوى من هذا أو ذاك، فانطلق دون وعي أو منهج، واعتبر اللا فلسفة، وكيف لا يفعل ذلك وهو يرى أن العشوائية والفوضى تسود كل ما في الوجود، وأن الموت قادم لا محالة، وأنه ليس وراء الموت شيء، هذا الخلاص المزعوم جعله يتخبط ويمارس حياته في طيش وجنون، بعد أن عطَّل وظيفة الضمير ، وأغلق قلبه وعقله عن فهم الحياة على وجه صحيح.

وكفر البطل الرومانسي بالعقل، وتشبث بحرقه العواطف وتهويماتها، وأخذ يتغنى بحرمانه وعذابه وأساة، واستعذب ذلك التوهم، وغرق في بحوره العاصفة، دون أن يحاول الخروج من هذا الكابوس الرهيب.

وكان البطل في إطار المادية والفرويدية والطبيعية وليداً والطبيعية وليداً للتقدم المادي الخارق في مجالات العلم والصناعة والتقنية، فهذا البطل لا يؤمن إلا بما يراه ويحسه ويسمعه أو يتذوقه، وليس وراء عالم الحواس شيء آخر، ولم يعد للجانب الروحي أو المينا فزيقي في الإنسان قيمة يعترف بها علميا، مادام خارج التصور المادي للحياة، ولا يمكن قياسة بالمقاييس، أو إثباته في أروقة معامل الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا والفسيولوجيا وغيرها.
•    ثم إن هذه وتلك تتداخلان مع الوجودية، برغم وجود بعض الاختلافات، ولم لا ونحن نرى كتاباً مثل (البير كامي ) وجوديَّا وعبثياً في الوقت نفسه، وإن غلبت عليه الصفة الأولى، والأمر غاية في البساطة، لأن الحدود القاطعة بين مذهب وآخر لا وجود لها، بل إن أصحاب المذهب الواحد ـ كما قلنا ـ قد يختلفون أشد الاختلاف في الرؤية والتفسير والتعبير.

والبطل في الأدب الإسلامي حكراً على طبقة اجتماعية دون أخرى، فالإسلام مجتمع متجانس، أساس التفاصيل فيه (..إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى )، والتقوى ليست صلاة وصوماً وعبادة فحسب، ولكنها جهاد في سبيل الله، وكفاح من أجل لقمة العيش، ودأب على تحصيل العلم، وبراعة في الصناعة، وصدق في القول والعمل، وتكافل اجتماعي، وإبداع فكري، وزارعة وتجارة، وقيادة وجندية وأمانة وعدل ووفاء، وطهر، ونقاء ، وبر وتسامح، إنها ملتقى لكل القيم والمبادئ والآداب التي بها الإسلام الحنيف .

شخصية البطل إذن قد تكون (بلال بن رباح ) العبد الحبشي، وقد تكون (أبو بكر الصديق ) خليفة المسلمين، وقد تكون (سلمان الفارسي ) أو (حمزة بن عبد المطلب ) القرشي، وقد تكون (سمية) زوجة ياسر أو رفيدة أو غيرها من النساء، وقد يكون فتى يافعاً، أو شيخاً مسناً .

إن البطل ـ كما قلنا ـ تجسيد لفكرة يرى الكاتب إبرازها، لتؤدي دوراً تمتزج فيه المتعة لدى لفكري يرى المتلقي، فيتفاعل معها ويتأثر بها، ومن ثم تتولد لدى ذلك المتلقي قناعات بعينها، قد تدفعه إلى اتخاذ موقف، وهذا التأثير واسع الآفاق، رحب المدى، فقد ينمو ويتسع أكثر مما في شخصية البطل، وهذا راجع إلى عاملين أساسيين: أولهما قدرة الكاتب على الوفاء بمقتضيات الفن والفكر، بحيث لا يحد من رؤية المتلقي، ولكن يدفعه إلى مزيد من التفاعل والتفكير فيخرج بإضافات وتخيلات وابتكارات، تجعل الرؤية أكثر عمقاً وشمولاً، وكأن المتلقي في هذه الحالة يتحول ـ تلقائياً ـ إلى امتداد طبيعي لفكرة الكاتب وتصوراته المتنامية المتفاعلة، أما العامل الثاني فهو اندماج المتلقي مع العمل الأدبي، وتقبله له بحساسية ورضى صادق، ولا شك أن اكتمال هذه الدائرة يحقق الهدف الأسمى من الأدب، فالأدب الإسلامي بالضرورة قوة فاعلة، مغيرة إلى الأفضل، وإلا تكون وظيفته إذن؟؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: