كم نجيد صنع المشكلات !!


حواراتنا أصبحت معارك، ومعارفنا أصبحت احتكاراً، ورؤيتنا أصبحت مطلقة، وذواتنا أصبحت مقدسة، وما أكثر مداخل الشيطان التي توحي لنا بأن معاركنا، حوارات جادة، واحتكارنا للمعرفة، حفظ لقيمة العلم، ورؤيتنا المطلقة، أدلة قطعية، ويستمر هذا المسلسل، مسلسل تداخل المفاهيم وتعدد مواطن المتشابهات، ولا ينجو منه إلا من جمع بين العلم والتقوى (ومن لم يجعل الله له نورا، فما له من نور).

ومن المكرور أننا قد نتفق على المبدأ، ونأتلف على الأحكام العامة، إلا أن من طبيعتنا أن نختلف في وجهات النظر، ونتعارض في تحقيق المناط، ومع ذلك فإننا لا نعترف بالتوافق الجزئي، ولا نبحث في أقوال الآخرين عما يوافق رؤيتنا رغبة في تقريب وجهات النظر، كلا، فالمطلوب إما أن توافقني كليا، وإما أن تخالفني كليا.

وقل مثل هذا حين نتباحث في المسائل الثقافية والقضايا الفكرية، فإننا لا نلبث أن نتنازع دون تحرير لمواطن النزاع، وحين نحررها، فإننا لا نعطيها حجمها الصحيح، وحين نعطيها حجمها الصحيح، فإننا لا نمنحها المدة الملائمة لحجمها، وحين نمنجها المدة الملائمة، فإننا لا نتبع المنهجية الصحيحة تجاهها!!

وموطن آخر من مواطن الخلل حين نكون صرعى لقراءات غيرنا الناقصة أو القاصرة، بل ربما تكون قراءات غيرنا ناجحة وتامة، ولكنها أعدت من أجل أهدافٍ معينة، وقد خدمت أهدافها بالفعل، وبتنا اليوم معتمدين على هذه القراءات القديمة دون أن ندرك كم نحتاج إلى قراءات جديدة تفي بأغراضنا المعاصرة!!

ورغم أنه من المنطقي أن يجتمع في الإنسان صواب وخطأ، إلا أننا نرى صواب الموافق لنا وكأنه ما أخطأ قط، ونرى خطأ المخالف لنا وكأنه ما أصاب قط، ولا نسمي هذا التضخيم قصورا في الرؤية أو ضعفا في التقييم ـ حاشا لله !! ـ بل نسميه (نصرة للرؤية) و(دعماً للرمز)، حتى أصبحت منهجيتنا في التعامل مع الساحة الثقافية (التغاضى عن صواب المخالفين وزلل الموافقين، والتصفيق لزلل المخالفين وصواب الموافقين).

ترى هل نخطئ عندما نريد إقامة الدليل على صحة معلوماتنا؟ الجواب: نعم، وأخطاؤنا أيضا في هذا الأمر كثيرة، أحيانا نعزل المعلومة عن سياقها، وأحيانا لا نتسامح في بعض الألفاظ والدلالات التي من الممكن أن تُحمل على محمل حسن، وأحيانا نلزم المخالف بما لا يلزم من كلامه، وأحيانا نلزمه بما يلزم من كلامه ونحمّله تبعة ذلك، دون أن يدرك ـ صاحب الكلام ـ هذه اللوازم، ولو عرفها لترك فكرته، ولكن لأننا نوقن داخل أنفسنا أنه لن يترك قوله ولن يتراجع عنه، فإننا عند بيان وجهة نظرنا له، نرميه بشيء من التسفيه، والتجهيل، حتى يرتدع! ولكي لا يغتر بقوله القراء الأعزاء! فيا ترى من هذا الذي سوف يرتدع بهذه الطريقة!! ومن هؤلاء القراء الذين سوف يقتنعون بهذا الكاتب!!!.

ومن أخطائنا في إقامة الحجة على صحة ما ذهبنا إليه في مسألة من المسائل، أننا لا نجرؤ على تحري أولى الطرق بإثبات صحة ما ذهبنا إليه من أقوال، فحين يختلف شخصان في مسألة ويأتي كل منهما بأقوال العلماء الذين يوافقونه، ومع ذلك يستمر الاختلاف، فيأتي كل منهما بمزيد من الأقوال والحجج والأمثلة والتشبيهات لإثبات صحة قوله، دون أن يجرؤ أي منهما على التعريج على البحر تاركا القنوات، وعلى المنهج دون الأمثلة، وعلى المصدر الأول دون الناقلين عنه، وفي هذا دلالة على ضعف التأصيل العلمي عند المتناظرين، فكلاهما لا يملك أصولا وأسسا تمكنه من النظر في المصادر الأصلية، فإن كان هذا حال المتخالفين من الضعف فليعترف كلا منهم بأنه بذل أقصى ما يستطيع في إثبات رأيه وليقل : هذا فراق بيني وبينك في هذه المسألة، قاطعا حبل الجدل، واصلاً حبل المحبة، معترفا بقصوره في العلم، عازما على مزيد من التحصيل، مدركا لفضل العلماء السابقين، وأمثالهم من الجهابذة المعاصرين.

ومن أخطائنا في الحوار، أننا لا ننظر إلى القيمة الحقيقة للمسألة محل النقاش، ولا نهتم بقيمتها العملية، فكل معلومة تحمل أثرا عمليا، ومآلات ملازمة لها، والمعلومة التي لا تتميز بهذه الصفة لا تحتاج منا أن نهتم بها، وهكذا ندرك أننا نخوض جدالنا في غياب الهدف العلمي، ولكن في حضور الهدف الذاتي والأغراض الشخصية.

فيا لنا من مثقفين، كم نجيد صنع المشكلات!!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: