حضارة التنعم وحضارة الحق


إلى الذين رأوا إيوان كسرى فأعجبتهم عظمته ، وخالت عليهم زخرفته ، فرجعوا إلى قومهم وقالوا : يا قومنا إنا وجدنا إيوانا عجبا !!

وقالوا : اطلبوا لنا خبراء الفرس والروم ليبنوا إيوانا كإيوان كسرى ، فنصبح أمة متحضرة ومتقدمة !

عجبا لهم !

أيريدون إيوان كسرى بديلا عن ظل شجرة عمر الآمن !!

يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه

يهتز كسرى على كرسيه فرقـاً من بأسه وملوك الأرض تخشاه

ألم يؤتى بكسرى مقيدا مأسورا .. فرأى ظل شجرة عمر البسيط .. الآمن .. فبكت عيناه …

وقال قولة صدق أصبحت مثلا وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها

أمنت لما أقمت العدل بينهـم فنمـت نوم قريـر العين هانيها

إلى الذين دخلوا إيوان كسرى فرأوا نمارقه المصفوفة ، وزرابيه المبثوثة ، وسرره المرفوعة فأُلقي في روعهم دقة الصناعة ، وجمال الإبداع ، وروعة الإتقان …

ونسوا أن أعرابيا مرّ من هنا يوما من الأيام بثوب رثٍ مرقع ، يتوكأ على رمحه ، فما ترك لهم نمرقة ولا بساطا إلا أفسده !

فلما دنا من رستم جلس على الأرض !!

وركز رمحه بالبسط !!

فقالوا : ما حملك على هذا ؟!

قال : إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه !!

إلى الذين سألهم كسرى : أي أمر أخرجكم ؟

فقالوا : جئنا نتعلم من علومكم ونقتبس من نوركم !!

ونسوا مقالة جدهم الأعرابي ذي الضفائر المعقوصة والثوب المرقوع : “جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ؛ ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ؛ ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام”.

إلى جميع من ألهتهم أسورة كسرى عن فراش النبي صلى الله عليه وسلم الخشن ، الذي أثّر في جنبه الشريف : هل تظنون أن وعد الله تعالى للمؤمنين بالنجاة في الآخرة مقرون بالجهل والتخلف في الدنيا ؟ هل ترون أن الاستعلاء في قول الله تعالى ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) مقرون بالجهل والمرض والفقر ؟! هل تحسبون أن الله تعالى حين جعل الاستقلال عن الكافر معتمد على الإيمان العميق ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) أنه لا يحوي ضمانا بالتقدم والرفعة ؟! هل ترون أن طريق النجاة في الآخرة المضمون للفرقة الناجية ( ما أنا عليه وأصحابي ) لا يمر بطريق ( ويزدكم قوة إلى قوتكم ) ؟

إلى كل هؤلاء سؤال يلح على ذهني بإصرار شديد .. ما علاقة الاستغفار بالقوة الزراعية ، والقوة الحربية ، والقوة العددية ، والقوة الإقتصادية ، والقوة المائية في قول الله تعالى : ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) ، وفي قوله تعالى : ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ )؟.

لن تحل الإشكالية بين الدين والدنيا إلا بالإيمان الصادق العميق ثم بالفصل بين مظاهر التنعم وبين مظاهر الحق.. بين حضارة التنعم وبين حضارة العدل .. فحضارة التنعم تتمثل في ( أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ) ، وأما حضارة الحق تتمثل في ( لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله تعالى : لما لم تعبد لها الطريق يا عمر؟ ).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: