الإصلاح وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام


أحب أن أذكر الشباب المهتم بالإصلاح وهم على فضلهم وفضل ما يسعون إليه إلا أنني أظن أنه قد فاتهم أمور قد يجدون في الحديثين التالي ذكرهم ما يبين لهم وصايا نبوية هامة جدا في هذا الموضوع .

فأما الحديث الأول: عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه سيكون عليكم أمراء وترون أثرة . قالوا يا رسول الله فما يصنع من أدرك ذاك منا ؟ قال : أدوا الحق الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم”. مسند الإمام أحمد ، قال المحدث : شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين.

مما ألاحظه أن أفرادا من أصحاب الإصلاح السياسي يرون في مثل هذه الوصايا تخديرا للأمة وتنويما لها وإعانة للحاكم على ظلمه واستبداده .. ولكنهم في مقام آخر حين يتحدثون عن تحويل معاوية رضي الله عنه للحكم الإسلامي من الشورى إلى الملك العضوض يقولون أن هذا أول فساد دخل على الأمة لأنه نزع منها روح المسئولية وأنا معهم في الأثر السلبي لتحول الحكم إلى الملك العضوض ولكني أخالفهم النظرة إلى هذا الحديث لأنني أرى فيه مقاومة لروح السلبية التي تسري في أفراد الأمة حين يستبد بكل الأمر بعض الرجال !

فبدلا من أن تفسد أحوال الأمة كلها ، يأتي هذا الحديث مرشدا لكل رجل في الأمة ، أن اسمع وأطع .. كي لا ينفرط حبل الأمن في المجتمع !

وأدي الذي عليك وسل الله الذي لك .. كي لا يتدهور المجتمع بتخلي الأفراد عن أداء مسئولياتهم ، فيصبح الفقير والمسكين والأرملة واليتيم لا راعي لهم ، وتسود اللامبالاة والإهمال وتأجيل الأعمال وعدم رعاية المسلم لمصالح غيره فينتقل الداء إلى مستويات شعبية ويصبح الفساد أعظم .

ولذا يأتي المسلم الذي يتقي الله ربه ليقوم بوصية النبي عليه الصلاة والسلام : ( حين تجدون أثرة يا عباد الله .. أدوا الحق الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم ) .

الحديث الثاني : قال عليه الصلاة والسلام ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )

وفي هذا الحديث دلالة على أهمية الوعي والانطلاق من الرؤية الشمولية لواقع المجتمع قبل البدء في العملية الإصلاحية ..

فإن قال قائل : مهلا ً ، من أين لك بهذا الاستدلال ؟!

فالجواب : أن من لازم إتمام مكارم الأخلاق هو معرفتها ، ومعرفة أراذل الأخلاق الموجودة في المجتمع ، وهذه المعرفة ليست معرفة ذهنية فقط بل هي معرفة واقعية ، وتقويما حقيقيا للمجتمع . فهل الإخوة المتصدرين لعملية الإصلاح منطلقين من رؤية كلية لواقع المجتمع أم أن انطلاقتهم كانت لمجرد اعتقادهم بأن هذا هو الأنفع للأمة !

دعونا نتأمل لحظة في قرارتنا التي اتخذناها لندرك الفرق بين الأمرين . حين أتخذ قرارا بالأنفع فإن هذا يعني وجود مساحة كبيرة للنقاش حول موضوعات الإصلاح أساسا ، ولكن هل عقد هذا المؤتمر أم لا ؟!

لم يعقد مؤتمر ولا نقاش طويل موسع في هذه المسألة ومع ذلك خرج أناس يقولون أن الإصلاح السياسي هو الأنفع !

ما هي البدائل ؟ ما هي الخيارات ؟ لا أحد يعلم ، إذا هو أنفع إصلاح من بين إصلاحات كثيرة لم يتم تحديدها ! هنا كان إتمام مكارم الأخلاق دون معرفة الأخلاق الموجودة .

لا بأس ، دعونا نمضي في قصة الإصلاح .. لقد خرجنا بأن الأنفع للأمة هو السعي إلى الإصلاح السياسي ، وهذا يعني أننا إذا قررنا أن نصلح في مجال ما فلابد أن يكون هناك رؤية كلية للواقعة .. كما هو في الحديث : أتمم مكارم الأخلاق ! فهل توجد دراسة عن الواقع السياسي إيجابياته وسلبياته ؟! وهل يسمح بتبادل وجهات النظر ولها من أجل تقويمها ؟

كلا ، لم توجد دراسة حول الواقع السياسي ( تحدياته ، وسبله ) ومع ذلك : بدأنا في الإصلاح السياسي !

شيء لا تملك رؤية حوله كيف تقوم بإصلاحه !! كيف !!

ألا يمكن أنك إذا أردت تقويم جانب أفسدت آخر !

ألا يمكن أن يكون هذا الفساد أهون من فساد آخر !!

إن كانت قاعدة الإصلاح الأساسية هي ( معرفة الخير والشر ) ، فإن هذا لا يكفي في الإصلاح ، لأن المصلح الحقيقي يحتاج أن يدرك بقوة ( خير الخيرين وشر الشرين ) ومع ذلك كله .. بدأنا في الإصلاح السياسي دون أن نمتلك دراسة تقويمة واحدة.

Advertisements

3 تعليقات

  1. Posted by وثاب on مايو 1, 2010 at 6:49 م

    مما يؤيد كلامك في الحديث الأول مواقف بعض السلف التي تجسد فيها تطبيق هذا الحديث بحذافيره..
    كأيام ظلم الحجاج، وفتنة الإمام أحمد..

    لكن قد يرد هذا التساؤل – ولا يعني طرحه هنا موافقتي له بالضرورة-:
    ألا ترى أن المظاهرات وعدم السكوت أدت إلى حل كثير من القضايا؟
    أليس من المفترض ولو أحياناً أن يسير (أحد) من الأمة خلف التيار بغية الإصلاح؟
    وأنت عنونت هذه المقالة بالإصلاح! فكيف يكون الإصلاح بالسكوت؟!
    ونقطة هذا التساؤل الأساسية قولك (يأتي هذا الحديث مرشداً لكل رجل في الأمة … إلخ)

    فبم ترد عليه يا بدر الإسلام؟

    كتبت رداً على (الأحجية) هناك من كذا يوم

    أخوك/ وثاب

    رد

  2. Posted by وثاب on مايو 1, 2010 at 6:56 م

    طبعاً الكلام السابق قابل للتطبيق على أوساط متعددة..

    رد

  3. Posted by بدر الإسلام on مايو 2, 2010 at 5:04 ص

    حياك الله أخي وثّاب :

    عودا حميدا .. وأشكر لك أنك تفضلت عليّ بهذه الملاحظات والتنبيهات ، فجزاك الله تعالى كل خير .

    وأعتذر عن التأخر في الرد للإنشغالات ..

    بانسبة لتعليقك هنا : ففكرتي عن الإصلاح أن كل مؤمن يجب عليه القيام بما يستطيع ، وفي الأمة أفراد قليلون يتحملون الأذى في سبيل ذلك ولا يبالون بينما الأكثر يسكتون وينتظرون الفرج من الله تعالى .. ولذا لابد من العمل بخطوط متوازية .. فذو الهمة له توجيه يناسبه والعامي له توجيه يناسبه وهذا الحديث عاما للجميع .. فالمصلح أثناء ممارسته للإصلاح لا ينبغي أن يتهاون في واجباته وكذلك العامي ..

    عبارتي ربما تكون غير واضحة وأعيد تنسيقها هنا للتوضيح :

    ( أن اسمع وأطع .. كي لا ينفرط حبل الأمن في المجتمع ، وأدي الذي عليك وسل الله الذي لك .. كي لا يتدهور المجتمع بتخلي الأفراد عن أداء مسئولياتهم )

    أخيرا : من المهم الانتباه إلى أن وسائل الإصلاح السلمية ليست مضادة للسمع والطاعة .. فكونك تقول للظالم أنت ظالم وفي نفس الوقت لا تهمل واجباتك هذا شيء مهم ومطلب شرعي .

    :: تابع ردي على ردك في الأحجية ::

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: