Archive for the ‘مواجهات’ Category

الإصلاح وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام

أحب أن أذكر الشباب المهتم بالإصلاح وهم على فضلهم وفضل ما يسعون إليه إلا أنني أظن أنه قد فاتهم أمور قد يجدون في الحديثين التالي ذكرهم ما يبين لهم وصايا نبوية هامة جدا في هذا الموضوع .

فأما الحديث الأول: عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه سيكون عليكم أمراء وترون أثرة . قالوا يا رسول الله فما يصنع من أدرك ذاك منا ؟ قال : أدوا الحق الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم”. مسند الإمام أحمد ، قال المحدث : شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين.

مما ألاحظه أن أفرادا من أصحاب الإصلاح السياسي يرون في مثل هذه الوصايا تخديرا للأمة وتنويما لها وإعانة للحاكم على ظلمه واستبداده .. ولكنهم في مقام آخر حين يتحدثون عن تحويل معاوية رضي الله عنه للحكم الإسلامي من الشورى إلى الملك العضوض يقولون أن هذا أول فساد دخل على الأمة لأنه نزع منها روح المسئولية وأنا معهم في الأثر السلبي لتحول الحكم إلى الملك العضوض ولكني أخالفهم النظرة إلى هذا الحديث لأنني أرى فيه مقاومة لروح السلبية التي تسري في أفراد الأمة حين يستبد بكل الأمر بعض الرجال !

فبدلا من أن تفسد أحوال الأمة كلها ، يأتي هذا الحديث مرشدا لكل رجل في الأمة ، أن اسمع وأطع .. كي لا ينفرط حبل الأمن في المجتمع !

وأدي الذي عليك وسل الله الذي لك .. كي لا يتدهور المجتمع بتخلي الأفراد عن أداء مسئولياتهم ، فيصبح الفقير والمسكين والأرملة واليتيم لا راعي لهم ، وتسود اللامبالاة والإهمال وتأجيل الأعمال وعدم رعاية المسلم لمصالح غيره فينتقل الداء إلى مستويات شعبية ويصبح الفساد أعظم .

ولذا يأتي المسلم الذي يتقي الله ربه ليقوم بوصية النبي عليه الصلاة والسلام : ( حين تجدون أثرة يا عباد الله .. أدوا الحق الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم ) .

الحديث الثاني : قال عليه الصلاة والسلام ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )

وفي هذا الحديث دلالة على أهمية الوعي والانطلاق من الرؤية الشمولية لواقع المجتمع قبل البدء في العملية الإصلاحية ..

فإن قال قائل : مهلا ً ، من أين لك بهذا الاستدلال ؟!

فالجواب : أن من لازم إتمام مكارم الأخلاق هو معرفتها ، ومعرفة أراذل الأخلاق الموجودة في المجتمع ، وهذه المعرفة ليست معرفة ذهنية فقط بل هي معرفة واقعية ، وتقويما حقيقيا للمجتمع . فهل الإخوة المتصدرين لعملية الإصلاح منطلقين من رؤية كلية لواقع المجتمع أم أن انطلاقتهم كانت لمجرد اعتقادهم بأن هذا هو الأنفع للأمة !

دعونا نتأمل لحظة في قرارتنا التي اتخذناها لندرك الفرق بين الأمرين . حين أتخذ قرارا بالأنفع فإن هذا يعني وجود مساحة كبيرة للنقاش حول موضوعات الإصلاح أساسا ، ولكن هل عقد هذا المؤتمر أم لا ؟!

لم يعقد مؤتمر ولا نقاش طويل موسع في هذه المسألة ومع ذلك خرج أناس يقولون أن الإصلاح السياسي هو الأنفع !

ما هي البدائل ؟ ما هي الخيارات ؟ لا أحد يعلم ، إذا هو أنفع إصلاح من بين إصلاحات كثيرة لم يتم تحديدها ! هنا كان إتمام مكارم الأخلاق دون معرفة الأخلاق الموجودة .

لا بأس ، دعونا نمضي في قصة الإصلاح .. لقد خرجنا بأن الأنفع للأمة هو السعي إلى الإصلاح السياسي ، وهذا يعني أننا إذا قررنا أن نصلح في مجال ما فلابد أن يكون هناك رؤية كلية للواقعة .. كما هو في الحديث : أتمم مكارم الأخلاق ! فهل توجد دراسة عن الواقع السياسي إيجابياته وسلبياته ؟! وهل يسمح بتبادل وجهات النظر ولها من أجل تقويمها ؟

كلا ، لم توجد دراسة حول الواقع السياسي ( تحدياته ، وسبله ) ومع ذلك : بدأنا في الإصلاح السياسي !

شيء لا تملك رؤية حوله كيف تقوم بإصلاحه !! كيف !!

ألا يمكن أنك إذا أردت تقويم جانب أفسدت آخر !

ألا يمكن أن يكون هذا الفساد أهون من فساد آخر !!

إن كانت قاعدة الإصلاح الأساسية هي ( معرفة الخير والشر ) ، فإن هذا لا يكفي في الإصلاح ، لأن المصلح الحقيقي يحتاج أن يدرك بقوة ( خير الخيرين وشر الشرين ) ومع ذلك كله .. بدأنا في الإصلاح السياسي دون أن نمتلك دراسة تقويمة واحدة.

الإعلانات

رحلتي إلى مصر 3

الملاحظة الثالثة : البلد المسلم يغني ، ويرقص ، ويدخن ..

لو قال مفتٍ من المفتين الأتقياء أن ( الغناء حلال ) لسبب من الاسباب ثم نزل الشارع المصري لنهى الناس عن سماعه من شدة ما قد سيطر الغناء على المصريين ، محلات العصير فيها تبيع العصير وتسمعك ( حكيم ) مجانا ، والباعة المتجولين يتصدقون على الناس بــ ( بأغنيات عمرو دياب ) ، والسائق العادي في الشارع المصري يريد الانبساط له ولمن حوله فيبسط الناس بإحدى أغاني ( شعبان عبد الرحيم ) .. ما هذا الذي يحدث في المسلمين ؟!
أهو إجماع بين العوام على حل الغناء أم إجماع بين العلماء المصريين على حل الغناء ؟
لا أريد أن أقول إنني لم أسمع قرآنا قط ! ولكن الذي أريد أن أقوله : أنه حتى من يرفع صوت القرآن الكريم لا تجده يبالي من تغيير الموجه أو الشريط بعد دقائق معدودات ليسمع ( حسن الاسمر )  ولا أعمم لكن لينظر العلماء الذين يميعون قضية الغناء ويقولون فيه خلاف إلى هذا الشعب المسلم ، كيف أصبح ضحية من ضحايا التساهل !!

هذا كله ولا تجد من ينكر على الناس سماعهم وانغماسهم في اللهو الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، فالأمر مما عمت به البلوى ، ولا يتجرأ على الانكار فيه إلا ذو حظ من الإيمان والصبر عظيم .

والتدخين أيضا بلية من البلايا التي أصابت الـ ( 80 ) مليون مصري ، وهذه بعض المعلومات من احصائية لعام 2002 أي قبل 6 سنوات تقريبا ،
تقول الإحصائية أن حجم مشكلة التدخين في مصر :
•    يبلغ عدد المدخنين في مصر حوالي 13 مليون مدخن منهم 500 ألف تحت عمر 15 سنة و 73 ألف تحت عمر 10 سنوات.
•    يتم استهلاك 80 مليار سيجارة سنويا ( 4 مليار علبة سجاير ) في مصر.
•    يبلغ حجم الأنفاق القومي سنويا على التدخين نحو 5 مليارات جنية سنويا، أي أنه يمتص حوالي 22% من دخل الفرد المدخن شهريا، تصرف الأسرة المصرية 5% من دخلها في التدخين، 2% في العلاج، 1.5% في الترفيه.
•    يقدر المبلغ المنصرف لعلاج الأمراض المتعلقة بالتدخين حوالي 3 مليار جنية مصري سنويا.
•    500 مليون من أحياء اليوم سوف يقتلهم التبغ بحلول عام 2030م وسوف يكون نصف هؤلاء في أعمار منتجة يحرمهم التدخين من 20 إلي 25 سنة من حياتهم.
•    زيادة نسبة المتغيبين عن العمل بين المدخنين أكبر بنسبة 50% عن الغير مدخنين )) .
فيا ترى متى سنشاهد هذه الإحصائيات تتناهى إلى القيمة ( صفر ) ، وكيف ؟!

الفرق الترفيهية .. الواقع الأليم

هذا المقال الثاني لأخي الكريم : عمر الرشيد الذي يشارك به في المدونة .. أرحب به وبمقاله وإليكم ما كتبه – وفقه الله تعالى –

(( مع إطلالة كل صيف .. تنشط كثير من الجهات الخيرية في جميع المناطق إلى إقامة ملتقيات ومخيمات دعوية .. يحرصون من خلالها على تقديم مفاهيم تربوية توجه إلى جميع فئات المجتمع من خلال قالبٍ من الفعاليات المتنوعة .. تنقسم هذه الفعاليات إلى نوعين .. أحدهما يتسم بالجدية وذلك من خلال محاضرات متنوعة لعدد من الدعاة الأفاضل .. والنوع الآخر ترفيهي وذلك من خلال تقديم بعض الألعاب والأناشيد والمشاهد على خشبة المسرح .. ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى نشوء فرق ترفيهية تقوم بهذا العمل .. أسس هذه الفرق وأنشأها مجموعة من الشباب من أصحاب هذا الاهتمام .. ومع غياب الوعي الشرعي والتربوي لدى كثير من هؤلاء .. وغياب الرقابة والمتابعة من قبل القائمين على هذه المناشط أيضاً .. فإنك قلما تجد ليلة من ليالي المرح هذه تخلو من المحاذير الشرعية .. بالمقابل تجد ضعفاً في المفاهيم التربوية التي يريدون إيصالها للناس .. أي أنهم يوصلون مجموعة من المفاهيم التربوية الخاطئة حتى يوصلوا مفهوماً تربوياً صحيحاً واحداً .. بل قد يقعوا في عدد من المحاذير الشرعية .. وعادة ما تطغى عند كثير منهم الوسيلة (وهي إضحاك الناس) على الهدف الذي من أجله أقاموا المنشط ..

ومن جملة المحاذير التي قد يقع فيها القائمون على الفرق الترفيهية .. الاستهزاء بخلق الله (كالاستهزاء بالشكل أو اللون أو الطول أو القصر …) .. ومنها أيضاً الاستهزاء بأشخاص بأعينهم أو لهجات أو بلدان .. ومنها أيضاً الوقوع في بعض المحرمات في سبيل التمثيل (كلبس الباروكة ..) .. وغيرها من المحاذير التي يتوجب عليهم سؤال أهل العلم عنها قبل العمل بها ..

ولكي تتضح الصورة أكثر .. سأنقل لكم مشهداً رأيته في احد أكبر الملتقيات الدعوية .. حيث أقامت فرقة من الفرق الترفيهية المعروفة مسرحية مبسطة الهدف منها إيصال مفهوم عدم المغالاة في المهور والتيسير على الشباب بالزواج .. وقد وقعوا في جُل المحاذير التي ذكرت آنفاً .. وإليكم هذا المشهد من المسرحية:

(( يقول الأب لأبنه : من أنت حتى يخطبك الناس لبناتهم والله لو أنك فلان ..

فيجيب الابن: عاد تكفى يا فلان .. )) انتهى المشهد ..

فلان وفلان المذكورين في المشهد هما أشهر لاعبي كرة القدم لا من حيث الأداء ولكن من حيث الوسامة في المنظر ..

مشهد آخر ..

(( يقول الابن لأبيه: عاد لو إنهم بيناظرون الشيخ فلان .. )) انتهى المشهد ..

والشيخ فلان هو أحد الدعاة المشهورين وهبه الله جمال في الخِلقة أيضاً ..

أريد أن أطرح بعض التساؤلات :

* ما هي المفاهيم التربوية التي وصلت إلى الجمهور وخصوصاً من فئة الشباب من خلال هذين المشهدين؟
* ألا يمكن أن يقدم المشهد بقالب ضاحك دون هذه الإسفاف؟
* أين دور القائمين على هذا المخيم .. لماذا لا تعرض عليهم المواد قبل عرضها على الجمهور؟

أخيراً .. لابد من طرح هذه القضية ومناقشتها بصورة أكبر .. ولعله يتصدى لها من هو أكفأ وأعلم .. والله أعلم .. ))

أخوكم .. عمر الرشيد

رحلتي إلى مصر 2

الملاحظة الثانية: الأزهر وغياب مهمة التبليغ :
بعد أن كان الأزهر منارة للعلم ، ومصنعا للعلماء تحول إلى منبر صوري ، وقناة هامشية ، لا تقوم بواجبها الذي فرضه الله عليها بتبليغ الرسالة وتأدية الأمانة بل يسكت عن الضلال ، ويشارك فيه ، ولا أدري ما حجتهم في ذلك !
كان هذا تعليقي المختصر على مشاهدتي التي سأنقلها إليكم الآن ، ولكم أن تضعوا على هذه القصة التعليق الذي يناسبكم ولو كان مخالفا لتعليقي السابق .
في عصر يوم من أيام رحلتي ، طلبت من السائق الذهاب إلى خان الخليلي ، ومسجد الحسين ، أخذني السائق إلى هناك وبدأ يعدد لي الأماكن الموجودة بجوار خان الخليلي ومنها : حديقة الأزهر ، ومشيخة الأزهر ، ودار الافتاء !
هل يكفي السرد إلى هنا أم يحتاج إلى زيادة بيان ؟
مسجد الحسين أيها السادة هو المسجد الذي فيه ضريح الحسين كما يقولون ، والناس يأتونه للاستشفاء به والتبرك به ، والدعاء عنده أو له كأي قبر يكون بين شعب يجهل أسس التوحيد والاعتقاد . ومشيخة الأزهر أو دار الافاء ليتها تصدر فتوى بتحريم هذه الشركيات ، وتبين للناس خطورتها على الدين والاعتقاد  .. بل تمارس دور الأعمى ، الأصم ، الأبكم ، مقطوع اليدين والقدمين الذي مثله مثل هذه القبور لا يضر ولا ينفع ، ولا يقدم شيئا ولا يؤخر ..
إن كون البلد فيها قبور تعبد من غير الله تعالى هذا أمر غير مقبول لكن نعتذر بأن نقول : ربما لا يوجد العدد الكافي لتبليغ كل هؤلاء.
ولكن أن يكون بجوار دار العلماء مسجد يتقرب فيه لغير الله تعالى ، ويشرك فيه برب العالمين فهذا لا نجد له عذرا أبدا ..
أصلح الله أحوال المسلمين ..

رحلتي إلى مصر (1)

الملاحظة الأولى : ضنك المعيشة ..

يعاني الشعب المصري من سوء الأحوال المعيشية ، وتدهورها يوما بعد يوما ، في ظل الحكومة
الحالية التي تفننت في إذلال الشعب المصري إيما تفنن ، قال لي أحد المصريين (( كل الشعوب تكره حكوماتها إلا نحن ، لدينا حكومة تكره الشعب )) .

وسألني أحد الزملاء القدامى : هل تحب مصر ؟
فقلت : أحبها ، لكن لا أريد العيش فيها .
فأيدني وقال أنه مثلي تماما ، ثم تكلم أحد الزملاء الحضور  وقال : يا أخي أنا لا أحبها ولا أريد العيش فيها.

وحين دخلنا ميدان التحرير ، أشار لي سائق التاكسي إلى مبنى الخدمات وقال (( هذا مبنى الخدمات الذي يحوي جميع وزارات البلد ، باعته الحكومة )) ثم قال متهكما في أسف (( اصبرلهم شوية ويبيعونا أحنا كمان )) .

ومشكلة أخرى من البنزين حيث وضعت لهم الحكومة نوعين من البنزين أحدهما رخيص والآخر غالي ، المشكلة أنه لا يكاد يوجد البنزين الرخيص إلا في قلة من المحطات التي يتهافت عليها الشعب فلا يحصل على بنزين لسيارته إلا بطابور كطابور العيش .. الذي تعد مشكلته أكبر وأعم وأطم .

أقاربي لكي يشترون العيش يقومون الساعة الخامسة والسادسة فجرا حتى يلحقوا الصف الأول في الطابور .. هذا الكلام حقيقة ، ولا أبالغ ! ولذا فهم يوزعون الأيام فيما بينهم كي يتقاسموا المشقة !!

الشعب المصري يعمل في كل الأعمال تقريبا ، حتى مسح الجزم – أكرمكم الله – وأغنانا وأغناكم والذي يزيد قلبك أسى حين تجد الذي يمتهن هذه المهنة رجل شاب شعر رأسه ، فتقول في نفسك : أليس هناك من يعول هذا ويكفيه !!

ولقائل أن يقول : ألا توجد صورا مشرقة تسلط الضوء عليها بدلا من هذه الصور المعتمة لكي تعطي فكرة متزنة عن الشعب المصري ؟
فأقول : صور الرخاء موجودة ، ولكن هكذا أغلب الذين عشت معهم ، وصحبتهم ، ولكم أن تبحثوا في النت عن متوسط دخل المواطن المصري اتعرفوا حجم المعانة التي جعلت المواطن المصري يقول بأعلى صوته ( كفاااااية ) .

( رحلتي إلى مــصــر )

وحينما كدت ألمس ترابها ، زارتي خيالات الذكريات ترفع لي لوحات قديمة ، من تلك التي عفا عليها الزمان ، وتقول لي أتذكر هذا المكان ؟
أتذكر هذه البلدة ؟
أتذكر هذه الوجوه ؟
دوما كنت أجيب :
نعم
أجل
أعرف كل لوحة من هذه اللوحات ، كل مكان ، كل بلدة ، كل وجه .
تتعجب الذكريات من ذاكرتي القوية !!
لا تتعجبي ، فذكريات الطفولة لا تكتب في الذاكرة بل تحفر !!
عدت إلى مصر بعد أكثر من 10 سنوات من الغياب ، عدت إليها بعد مرحلة هامة من مراحل حياتي ، مرحلة النضج الفكري ، وتجاوز مرحلة المراهقة ، ودخول النصف الآخر من الحياة ( الزواج ).
عدت إلى مصر بعد 10 سنوات ، ألمح واقع الناس ، وأدقق في حياتهم ، واستخلص منها عبرا للحياة .
لم يخب ظني في الواقع المصري ، فقد كان حاديا لي طوال الرحلة التي استمرت اسبوعين ، وكان رافدا لي يمدني بالفكرة تلو الأخرى ، والملاحظة تلو الملاحظة .
تكلمت مع الناس وعشت معهم وخالطتهم ، ولذا فأنا أعتبر ملاحظاتي خيرا من تلك الأبواق الإعلامية التي لا تتقن إلا فن تغيب الحقائق وقلبها .
ولن أسمي تجربتي ( حقائق ) فلم تكن الفترة التي عشت فيها كافية بأن أمعن النظر وأستقصي البحث في مدى واقعية ، وحقيقة ما أكتب ، ولذا سأسميها ملاحظات ، حتى لا يأخذها المدققون على وجه الحقائق المبرهنة ويضعوها تحت مصقلة النقد العلمي . كلا ، إنها مجرد ملاحظات حول ( رحلتي إلى مــصـــر )  ولا يمنع هذا أي فرد من إبداء ملاحظاته حول هذه الملاحظات وإثارة النقاش الجاد حولها .

رسالة إلى العلمــاء

لقد رأينا جميعا ما أحدثه الإعلام من سفاهة في التعامل مع قضية المسعى الجديد، ومن أعظم هذه السفاهات قدحه في العلماء واتخاذ أرائهم حجة على بعض سفها بغير علم …
وعلى هذا درج واعتاد ، ونشأ وتربى بأيدي خبراء التضليل وعلماء إثارة الفتن و أئمة الإفساد …
ولقد حان الواجب على علماء الأمة أن يتصدوا لافتراءات الإعلام والوقوف ضد تفريقه بينهم ، واتخاذه لاختلافاتهم الفقهية سببا لبث النزاع والفرقة بين بعضهم البعض وبينهم وبين عوام المسلمين …
إن الإعلام اليوم أصبح حقيرا يفعل كما يفعل النمام ، والحاقد الحسود ، فهو لايفارق قول الله تعالى ( هماز مشاء بنميم ، مناع للخير معتد أثيم ، عتل بعدذلك زنيم) …
لقد استغل الإعلام قضية الخلاف في المسعى في همز عدد من العلماء ولمزهم وأفتى في القضية أنها اجماع وغير ذلك مما يبين سفاهة القائمين عليه ، وحقدهم ،وسوء تصرفهم ، وخبث طويتهم..
ولقدشهد جميع العلماء هذه التصرفات الحمقاء جميعها ، وهم لا يرضون أن يقال على اخوانهم مثل هذه الكلمات ولا يرضون كذلك أن يستغل هذا الخلاف في التفريق بينهم ، وإنهم بإذن الله تعالى أذكى ، وأعقل ، وبحقوق الأخوة التي بينهم أعلم وبها أقوم ، ولهذا الأمر وغيره ينبغي للعلماء الكبار في الأمة الذين تكلموا في إباحة المسعى الجديد ، ورأوا أن الإعلام قد استغل فتاواهم بشن هجمة على إخوانهم العلماء بغير حق ، ثم سفه أراءهم ينبغي عليهم أن يتفقوا جميعا في لقاء صحفي أو بيان جماعي على سوء تصرف الإعلام ، وأن اخوانهم من المجتهدين لهم الحق في الإجتهاد وأن الذي توصلوا إليه له أدلته ، وهم مأجورون على اجتهادهم ، وأن المسائل الخلافيه لا ينبغي أن تأخذ أكثر من حجمها ، وأن العلماء المانعين لديهم أدلتهم القوية ، وليسوا متشددين كما زعم البعض ، وهم لا يقولون إلا ما يدينون الله تعالى به ، وأن المسألة محل نظر واجتهاد ( كل هذا ) ليردوا كيد الكائدين وحقد الحاقدين المفرقين للأمة والمشعلين فيها أوار الفتنة ..
وينبغي على علماء الصدق كذلك أن يعلموا أن الإعلام إن كان معهم اليوم وأبرز أصواتهم أو صفق لهم فغدا سيكون ضدهم وسوف يميل عليهم ميلة واحدة كما مال إليهم اليوم ، فإنما تحركه الشهوات والشبهات ، وصاحب الهوى غير مؤتمن كما علمنا علماؤنا من قبل ، وإن هذه الصحف والمجلات صاحبات هوى يسرن مع مسيرهن حيث شاء …
إلى متى والعلماء يرون الإعلام يتعرض لكبار العلماء والمشايخ والدعاة ، ويرونه يتخذ من أقوال بعضهم حجة على الآخر ليلمز فريقا منهم !!
إلى متى والإعلام يدخل من ليس من العلماء بل من ليس من أهل الديانة أصلا في عداد العلماء والقدوات ويحتج بأقوال الجهلة والمبتدعة على أنها أقوال فقهية معتبرة ، ويظهرهم بمظهر العلماء ، ثم نجد أهل الحق صامتين لا يتكلمون إلا حين يأذن لهم الإعلام !!
إنني، أحث وبكل قوة على لقاء جامع بين لعلماء المجيزين والمحرمين للمسألة أو بيان جامع يتحدث فيه على أن المسألة من المسائل الإجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف ، وأن الإعلام صعد القضية وأيد طرف على طرف وأن مثل هذالا يجوز ثم يرفع خطاب إلى المقام السامي ، بأن هيئة كبار العلماء هيئة في البلاد هيئة رسمية لا ينبغي أن يتناول من فيها بعدم الكفاءة من قبل الجهلة ، وأن أعضاءها من العلماء الأعلام ، الذين لهم مواقف صدق كثيرة ، وما يقال عنهم إنما هو من قبيل الفتنة بين الأمة وعلمائها ، ويجب اتخاذ اجراءات رادعة لمن يلمزهم ويتهمهم بالتشدد ..
وغير ذلك من الوسائل المعينة على رد صولة الكائدين ، ونميمة المتربصين تماما كما يحدث مع أي أخ فاضل إن جاءه نمام يسعى في عرض أخيه .. فإنه يرده ولا يسمع منه ولا يصدقه ويعلم أنه كما نم هذا إليه فغدا سينم عليه ..
أخيرا :
أسأل الله تعالى أن يكتب أجر المصلحين ، وأن يخيب سعي الحاسدين ، وأن يجمع برحمته شتات هذه الأمة ، وأن يفرق جمع المنافقين والمتربصين .. إنه بنا وبهم عليم خبير ، والعاقبة كما قال سبحانه و تعالى ( للمتقين ).