Archive for the ‘Uncategorized’ Category

الدليل الإجرائي لحلقات تحفيظ القرآن الكريم

مشاركة من الأخ / عبد الله .. أحد زوار المدونة

طلب نشرها ، وهي فعلا تستحق ذلك ..

http://69.89.31.146/~thrsfoor/my/dlel-ej.pdf

فشكرا لأخينا عبد الله على هذه التفاعل ..

Advertisements

القراءة بالأهدف : برنامج مقترح للمبتدئ

صيغة البرنامج :

أقترح أن توضع سلسلة من الكتب وبجانب كل كتاب الفوائد التي تتحقق منه لكي يسهل على القارئ أن يختار الكتاب الذي يناسبه .

وكذلك أن تكون الكتب نفسها شاملة لمجالات ثقافية كثيرة . ومن المناسب أيضا أن يكون عنوان هذه المجموعة ( اكتشف نفسك : ما المجال الذي تحبه ؟ ) ليتم وضع سلسلة أخرى في كل مجال على حدة بعد أن يكتشف القارئ المبتدئ مجاله الذي يهواه .

وقد حاولت تطبيق هذين الأمرين في رسالتي البسيطة – في الفقرات من  11 إلى 16 – :
1- مقالات لكبار كتاب العربية ( أحسبه أهم كتاب في هذه المجموعة ) : ويحقق أهداف كثيرة منها : أن يعرف أن الأسلوب الأدبي ليس أسلوبا واحدا . أن يعرف الأديب الذي يميل إلى أسلوبه فيكثف بعد ذلك من القراءة له ، المقارنة بين أساليب الأدباء لإدراك الفروقات بينهم ، إدراك كيفية توظيف الأدب في قضايا الإصلاح ، غرس مفاهيم شرعية من خلال القضايا التي يتناولها هؤلاء الأدباء .
2- فصول في التفكير الموضوعي ( ثاني كتاب في الأهمية ) : ويحقق الاهداف التالية : التعرف على مفهوم التفكير الموضوعي وأسسه ، ودور السلف في ترسيخ هذا التفكير ، وتطبيقات السلف للتفكير الموضوعي ، تقنياتهم المستخدمة في ذلك.
3-من أنفع الكتب : شرح مسائل الجاهلية للشيخ الفوزان أو قراءة المتن نفسه فهو نفيس جدا ويبين نعمة الله على عبده بهذا الإسلام ، وما الفرق الذي أحدثه الإسلام  وأضعه في المرتبة ( الثالثة ) . ومثله في المرتبة شريط رواسب الجاهلية للمنجد وكتاب محمد حسين يعقوب لعله : ماذا بعد الإلتزام ؟!!!
4- يضارعه في المرتبة والأهداف كتابان هما : ماذا خسر العالم ؟ ، وكتاب شكيب لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم .
5-سلسلة المحاجة العقلية الرائعة ( الإسلام لعصرنا ) ولكن مشكلتها أن كثير من مقالاتها قد تدور في فلك بعيد عن اهتمامات الكثير . ولكن يمكن جمع المفيد منها .
6-رسالة في الطريق إلى ثقافتنا وهي بالمنزلة الخامسة وتهدف إلى : بيان أثر الغزو الثقافي وأساليبه في القضاء على بقية التقدم الحضاري الإسلامي ، الهم الذي يحمله الشيخ من أجل نصرة الإسلام والذي أوصله إلى ( العكوف على كتب التراث عشر سنوات قراءة وتأملا وتدقيقا ) .
7- محاضرات بكّار المفرغة وهي مطبوعة وعلى رأسها في الاهمية : ( تدعيم الذات ) ثم ( نهضة أمة ) و ( وضوح الرؤية ) وأخرى عن القراءة وغيرذلك من مواضيع .
8- تشكيل عقلية إسلامية معاصرة .
9- كيف تؤلف كتابا ؟ د.راشد العبد الكريم إخراج مميز ، مادة رائعة وجميلة أما تربويا فيعود لمربي . .
10- ما تحت الأقنعة : د. محمد الصغير . وهو يعطي نبذة عن المشكلات النفسية التي قد تواجه الشاب وتؤثر على سلوكه سواء في إلتزامه بدينه أو قراراته الشخصية .
11-في القرآن الكريم : لا يروي غليلي سوى ( قواعد التدبر الامثل للميداني ) ولكن هناك كتاب آخر نافع أيضا وهو ( تأملات قرانية ) لمحمد قطب ، وللشيخ العويد كتيب جديد عن التدبر نافع ولكن لا يحضرني أسمه .. إضافة إلى ذلك : رسائل جوال تدبر المطبوعة .  ويمكن أيضا : جمع مقالات الشيخ السكران المتعلقة بالتدبر .. خاصة وأنه لا يذكر أسماء أشخاص أو طوائف بعينها وإنما عادته : الطوائف الفكرية . أو كلمات أخرى لا تثير إشكالا كبيرا.
12 – في الأدب : البيان والتبين للجاحظ ، مقامات الحريري .
13 وفي الحديث : سلسلة الصغير في شروحات أحاديث مختارة .
14- وفي التاريخ : العالم العربي في التاريخ الحديث لاسماعيل ياغي.
15 – وفي الفقه : مختصر الشمائل المحمدية : ويهدف إلى التعرف على صفات الرسول عليه الصلاة والسلام ، وجذب العقليات التي تحب الدقة والتحري فلاشك أنها سوف تنبهر بدقة التخريج وتعدد الرويات والدقة في نقلها .
16- في الأخلاق : هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا : عابد خزندار
17 – في السلوك : تعظيم قدر الصلاة للمروزي ولو هناك مختصر قاصر على صحيح الأحاديث والآثار فهو أنفع .
18- ومن أفضل كتب الإيمانيات : كتاب محمد حسين يعقوب ولعل اسمه ( طريق الوصول ) .
19 – وتحتاج هذه القائمة إلى عدد من الكتب في جانب السير الشخصية ولكني فقير في هذا الجانب ، ولا يخفى عليك أيها المربي  أبدا أن القارئ المبتدئ إذا كان صغير السن فإن أهم شيء لتحفيزه هو ( صناعة القدوة ) ومن خلال السير الشخصية المناسبة تتحقق هذه الغاية النبيلة .

محبك

التغريض السياسي ( ابراهيم السكران )

الحمدلله وبعد،، هذه رسالة إليك أنت يا أخي المتدين، يامن لاتزال الحمية للشريعة والغيرة على الاسلام وأهله تلتهب في قلبك، أنت تعرف –ياأخي الكريم- أن هناك اليوم قراصنة جدد مهجوسون مشغوفون لايرتاح لهم جانب في أن يجتاحوا تدين الشباب ويسلبوهم غيرتهم ليجعلوهم مشاركين لهم حول طاولات الأهواء ولذائذ التنصل عن أحكام رب العالمين، ويستخدمون في ذلك كل وسائل الاتصال والتأثير في الناس، سواء عبر الأعمدة الصحفية أو المقابلات الفضائية أو بالأقنعة المنتدياتية أو بالسهرات الفكرية، بل حتى برسائل الجوال، منهومون لاينقطعون في بعث وترويج كل تعليق أو نقل أو اقتباس أو إشاعة يكون من شأنها إرباك قناعات الناس تجاه أحكام الشريعة، وتصديع اليقين بالمعطيات الشرعية، وتذويب التدين في نفوس الناس، أنت تعرف ذلك جيداً، ولم يعد الأمر بخافٍ على أحد، ولكني -يا أخي الكريم- أريد أن أحدثك عن بعض تقنياتهم ووسائلهم المدهشة في تجميد التدين في النفوس، وتبديد دوافع الغيرة والحمية للشريعة.

ووالله الذي لا إله غيره أن رأس مال المرء في هذه الدنيا دينه وإيمانه وعلاقته بالله ورسوله، وماهي إلا سويعات قلائل ويقال “أحسن الله عزاءكم في فلان”، وينتقل المرء إلى عالم آخر هو مستقبله الحقيقي لن ينفعه فيه إلا صبره في هذه الأيام المحدودة على مراد الله ورسوله، ولذلك تتوافد الملائكة من شتى الأبواب على أهل الجنة لحظة دخولها منوهين بصبرهم على مراد الله ورسوله كما قال تعالى (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) نسأل الله الكريم أن نكون جزءاً من هذا المشهد البهيج، وفي الصباح يحمد القوم السرى.

والمراد يا أخي الكريم أنه لاخير فينا –والله العظيم- إن بقي شبابنا الأخيار ضحايا لمكر هؤلاء في سلب الشباب تدينهم وتكبيل انقيادهم لله ورسوله، وقد شاهدنا من مكرهم ألواناً وألواناً تجعل المرء يصفق كفاً بكف متعجباً كيف يمضي هؤلاء ليلهم ونهارهم في تشويش تدين الناس والشباب المسلم ولاحول ولاقوة إلا بالله، ويشهد التاريخ أن تلبيس مفاهيم التدين على الناس من أعظم مهام المفسدين كما قال الحق تبارك وتعالى (لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) .
لنأت الآن إلى غرض هذه المقالة وهو ذكر أساليب وتقنيات أهل الأهواء الفكرية في إضعاف التدين في النفوس:
أول وأهم وأكثر التقنيات فاعلية هي “شحن الشاب ضد المتدينين والأخيار” تمهيداً لعزله عن مغذيات التدين، وهذه الطريقة في غاية الفعالية والتأثير، لأن إسقاط الآمرين بالمعروف بالكامل إسقاط للمعروف الذي يحملون، وإسقاط الناهين عن المنكر بالكامل إسقاط لنكارة المنكر الذي ينكرونه، فإسقاط العلماء والدعاة بالكامل إسقاط للعلوم الشرعية والدعوة الاسلامية التي يحملون، فبدلاً من النقاش الموضوعي حول أدلة أحكام الشريعة يكتفون باسقاط الحامل ليسقط المحمول، ولذلك تجد حرصهم وولعهم الشديد بتشويه المتدينين والمصلحين والعلماء وسائر الناجحين من دعاة أهل السنة والجماعة وإلصاق كافة المعايب والمهامز بهم.

ومن أكثر وسائلهم رواجاً لتحقيق هذا الغرض “اتهام المصلحين بالأغراض السياسية” فتجد هؤلاء يقولون لك دوماً هؤلاء الفقهاء والدعاة يبحثون عن السلطة، أو يقولون لك هؤلاء لهم “صفقة سياسية مع الحكومة” وقد التقيت مرةً بأحد هؤلاء فأخذ يدور ويطوف حول فكرة أن هؤلاء الاسلاميين عندهم صفقة قذرة مع الحكومة، قلت له أعطني مسألة شرعية واحدة، مسألة واحدة فقط، غيّر جمهور العلماء والدعاة فيها موقفهم لأجل أن السلطة السياسية تريد ذلك، أو بدّل أهل السنة والجماعة الحكم الشرعي فيها لأجل صفقة سياسية كما تقول؟
تردد هذا المسكين قليلاً، ثم ذكر أمثلةً زادت دعواه هشاشةً، فقال: انظر الآن في التهييج الطائفي عند الاسلاميين وحماسهم ضد الشيعة وخرافة “المد الصفوي”، ونحوها من المصطلحات، كل ذلك لأن الدولة الآن لها صراع مع إيران، فهذا التأليب الاسلامي ضد الشيعة الآن إنما هو صفقة مع الحكومة، فقال له أحد الجالسين: أهل السنة والجماعة منذ خلق الله الشيعة وعندهم موقف جذري ضدهم يصل إلى تكفير بعض طوائفهم، وقال له آخر: وهل “منهاج السنة” لابن تيمية صفقة مع حكومتنا أيضاً؟!

والمراد أن أهل السنة لهم موقف عقائدي صريح ضد الشيعة سواء كان النظام السياسي المحلي يتبنى الحوار والدبلوماسية معهم، أم يتبنى المواجهة الاعلامية ضدهم، فلم يغير أهل السنة موقفهم العقدي، بل ولم يكلفوا أنفسهم –أصلاً- بمعرفة بوصلة مصالح النظم السياسية المعاصرة وتبدلاتها المستمرة في العلاقة مع الشيعة، فالعقيدة عقيدة.

فقال صاحبنا دعنا من هذا المثال: هل تتذكر إنكار فلان وفلان (وعدد أسماء شخصيات بعينها) ضد الاختلاط في المنتدى الاقتصادي بجدة، وكل ذلك لأن أحد أجنحة السلطة له موقف ضد الجناح الآخر، فقلت له: منكر الاختلاط أحد أهم المنكرات المعروفة عند المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة، ومنذ مائتي سنة ودعاة أهل السنة صاروا يكتبون فيه بشكل متزايد بتزايد البلاء، ولم يغير الفقهاء والدعاة موقفهم لأجل أن السلطة السياسية تريده، أو لأجل أن السلطة السياسية لاتريده.

ثم أنت الآن لو دققت في كلامك لاكتشفت أن مؤداه أنك تقول أن السلطة فيها جناحان، أي أنك ترى أن السلطة فيها جناح مستفيد من دعم الاختلاط وجناح يستفيد من معارضته، وهذا يعني أن غالب العقائد والأحكام الشرعية لاتخلوا من وجود طرف سياسي قد يستفيد منها، وبالتالي فلو اعتبرنا ذلك قادحاً فيها لتركنا عقائد الاسلام وشرائعه بالكلية! حتى لاتكون صفقات سياسية كما تردد.

قال لي: انظر في الهجمة التي يقودها فلان وفلان (وعدّد –أيضاً- أسماء شخصيات دعوية بعينها) ضد غازي القصيبي ومن يسمى الفريق الليبرالي للملك عبدالله، كل ذلك أيضاً جزء من صفقة سياسية قذرة، قلت له: موقف الاسلاميين من غازي القصيبي تعرف أنت أنه منذ أيام أزمة الخليج، ولم يغيروا موقفهم منه لأن شخصية سياسية ما طلبت منهم ذلك.

قال لي: حسناً .. هل تنكر أن الملك فيصل وقع صفقة سياسية مع الاسلاميين لضرب الناصرية والقومية والماركسية والبعثية الخ، قلت له: يارحمك الله، أجزم أنك تعرف في قرارة نفسك كذب هذا المثال، فأنت تعرف -بالشكل الكافي جداً- أن عبدالناصر نكّل بالعلماء والدعاة، وأقام لهم المعتقلات الجماعية، وأعدم “ضمير الدعوة” في تلك المرحلة سيد قطب رحمه الله، ولذلك ناصبه الدعاة العداء، وليس لأن الملك فيصل طلب منهم ذلك، أو لأنه أبرم معهم صفقة سياسية. وأنت تعرف أيضاً  -بصورة واضحة تماماً- أن موقف الاسلاميين من سائر التيارات التغريبية هو هو لم يتغير، فلم يكن الاسلاميون ماركسيون ثم انقلبوا على ماركس لما طلب منهم الملك فيصل ذلك.

شارك شخص آخر من نفس طينة صاحبنا وقال: أتنكر أن رمزكم الدعوي رقم واحد أيام أزمة الخليج صار اليوم يمدح النظام العلماني التونسي ويتهم الاسلاميين بأنهم شوهوه، ومن تقبل إراقة الإطراء الديني للنظام العلماني التونسي فهو لمن فوقه أشد إطراءً، أم أن هذه أيضاً ليست مصافحة سياسية؟! قلت له: بيض الله وجهك، جعل الله والديك في الجنة، فقل لي بالله عليك كيف صار موقف فقهاء ودعاة أهل السنة من هذه المقالة التي ذكرتها؟! وانظر من كان يحضر درسه سابقاً أكثر من عشرة آلاف، فصار لايحضره اليوم إلا كهول المسجد الذي يقام فيه الدرس للبركة فقط، فهذا مثال ناصع عليك لا لك، وهو أن الاتجاه اسلامي تيار رشيد عاقل شديد النفور من تبديل الأحكام الشرعية في دهاليز السياسة.

يا أخي الكريم أنت تزعجنا في كل مجلس بأن الاسلاميين عندهم صفقة سياسية قذرة مع أحد أجنحة السلطة، وإلى الآن لم تأتِ بمثال واحد، بل بمسألة شرعية واحدة فقط، تثبت فيها أن جمهور الاسلاميين من فقهاء ودعاة أهل السنة والجماعة غيروا رأيهم فيها لأن السلطة السياسية طلبت منهم ذلك، ألا تستحي من تكرار هذه القضية؟!

ثم لو سرنا على منطقك هذا لقلنا أيضاً: يجب أن لاننتقد الرمز الشيعي حسن نصر الله حتى لاتكون صفقة سياسية مع اسرائيل، ويجب أن لانهاجم التشيع الإيراني حتى لاتكون صفقة سياسية مع النظم الملكية الخليجية، وكان يجب على المسلمين أن لايقاوموا الغزو الروسي لأفغانستان، بل كان يجب على الأفغان أن يرحبوا بالروس ويقدموا لهم ألذ وجبات التميس حتى لاتكون صفقة سياسية مع أمريكا، ويجب على المسلمين أن لايقاوموا اجتياح صدام للكويت وشمال المملكة حتى لاتكون صفقة سياسية مع القوات الأمريكية، وكان يجب على المسلمين أن لايقاوموا الغزو الأمريكي للعراق حتى لاتكون صفقة سياسية مع حزب البعث، الخ هذه التفريغات للمحتوى الموضوعي للعقائد والأحكام بذريعة أن طرفاً سياسياً ما يستفيد منها فهي صفقة سياسية!

بل إذا أصبحت تفكر بهذا المنطق الساذج فأخشى أن تتهم النبي وأصحابه حين تمنوا هزيمة الفرس بأنهم في صفقة سياسية مع الروم، أو أنهم يخدمون مصالح الامبراطورية الرومية، وأن تتهم النبي بأنه حين شرع تمويل السّلم أنه في صفقة سياسية مع كبار المقرضين، وأنه حين حرم هروب الرقيق أنه في صفقة سياسية مع طبقة السادة، وأن الصحابة –رضوان الرحمن عليهم- إنما قاتلوا المرتدين مع أبي بكر الصديق ليس لأجل قادح عقدي يتصل بإنكار أحد القطعيات الشرعية، بل لهدف اقتصادي لأجل الميزانية وخزينة الدولة.

وهكذا تحاول إسقاط كل مفهوم شرعي عبر البحث عن مستفيد منه، ثم إطلاق الشائعات أن فقهاء ودعاة أهل السنة والجماعة في صفقة سياسية مع هذا المستفيد من هذا الحكم الشرعي، وهذه الطريقة –صدقني- سرعان ماتنكشف بمجرد أن يواجهك الباحث الواثق بالمعطيات الموضوعية للحكم الشرعي، ويتيقظ لهذا الفخ التقليدي الذي تضعه له، والذي هو بكل اختصار “الطعن في الأحكام الشرعية بتهمة الصفقة السياسية مع المستفيدين منها”.

مضى على هذه المناقشة زمناً، ثم وقعت حادثة “الاختلاط الكاوستي” في الشهر الماضي فأرسل لي صاحبنا وقال: (هاه يابوعمر .. لاتزال على رأيك .. انظر حولك حفلة الفتاوى التي تساقطت تدعم مشروع الاختلاط) قلت له: والله لم أر أعظم مكابرة منك، هذه الحادثة تثبت فعلاً استقلال جمهور الاسلاميين من فقهاء ودعاة أهل السنة الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والديانة، أفلا ترى الفريق الوزاري المعني بالأمر ضغط بقوة في هذا الاتجاه، إلى درجة تنظيم مؤامرة “صبيحة المقالات الشثرية” ، ثم إقالة أحد أعضاء هيئة كبار العلماء بهدف إرهاب المنكرين، ثم التدمير المنظم للمواقع الالكترونية الاحتسابية الشهيرة .. ومع كل هذا الثقل الحساس للموضوع وتبعاته الخطيرة، وعنجهية الفريق الليبرالي/السياسي الذي يقود المشروع، مع ذلك كله فقد صرح بالانكار والتغليظ الشيخ الإمام عبدالرحمن البراك وصالح الفوزان والعباد والسعد والطريفي وغيرهم، وكتبت مجموعة من علماء وقضاة مكة المكرمة بياناً مطولاً أدانت فيه الاختلاط، وكتب كثير من المفكرين والكتاب الاسلاميين مقالات تنتقد الوضع، ثم عادت قناة المجد واستضافت الداعية المعروف ناصر العمر وتحدث مجدداً عن الموضوع، فضلاً عن مئات المقالات التي كتبها الشباب المسلم في المنتديات والمجموعات البريدية ..الخ

بل أنت تعلم أن مراسلي الصحف الكبرى يطوفون يومياً على المشايخ في الرياض والحجاز والشرقية وغيرها علهم يظفرون بأي دعم فقهي، ومع ذلك لم يظفروا إلا بأسماء معينة إما هذه هي طبيعتها منذ الأصل، وإما أنها من الشخصيات المعزولة عن الواقع فاستغفلت ولم تعرف بالضبط أبعاد تلك الاستدراجات الصحفية.
والمراد أنه مع كل هذه المقاومة والإنكار العلني، وتمسك البقية بالتحريم ممن آثروا الصمت؛ تصر على أن فقهاء ودعاة أهل السنة إنما تقوم مبادؤهم على الصفقات السياسية!

وهذه -بالمناسبة- من أقبح أساليبهم في المغالطة، حيث يأتون بنماذج لشخصيات تنسب نفسها للعلم الشرعي، برغم أن الناس تعلم تبعيتها السياسية التامة، وليسوا من علماء أهل السنة المتبوعين الذين شهد لهم الخاص والعام بالعلم والديانة، فيأتي هؤلاء المفسدون ويأخذون مواقف هذه الشخصيات ويستدلون بها على أن علماء ودعاة أهل السنة والجماعة كذلك، ويقولون انظر إلى مواقف فلان وفلان، والجميع يعلم أن هذه الأسماء المذكورة إنما يتعاملون مع العلم الشرعي باعتباره “كادر وظيفي” وليس باعتباره “رسالة دينية” .

وهذا الأسلوب يتكرر كثيراً، وأحياناً يستخدمون فيه المكاثرة والتهويل فيحشرون أسماء لشخصيات رسمية من نمط “الشيخ الوظيفي” الذي سبقت الاشارة اليه، ويقولون انظروا إلى تغير فتاوى هؤلاء لما غيَّر النظام السياسي موقفه! وسلوكهم هذا في المكابرة المكشوفة يذكرني بنفس سلوك شيخ الشيعة الحلِّي الذي تساجل مع الامام ابن تيمية، حيث زعم الحلِّي أن في أهل السنة من هو مؤمن بالتشيع لكنه يخفيه لكي لايذهب عليه نفوذه السياسي! حيث يقول الحلي في منهاج الكرامة:
(وكثيرا ما رأينا من يتدين في الباطن بمذهب الإمامية، ويمنعه عن إظهاره حب الدنيا وطلب الرياسة، وقد رأيت بعض أئمة الحنابلة يقول إني على مذهب الإمامية، فقلت: لم تدرِّس على مذهب الحنابلة، فقال ليس في مذهبكم البغلات والمشاهرات. وكان أكبر مدرسي الشافعيه في زماننا حيث توفي أوصى أن يتولى أمره في غسله وتجهيزه بعض المؤمنين، وأن يدفن في مشهد مولانا الكاظم، وأشهد عليه أنه كان على مذهب الإمامية).
فرد عليه ابن تيمية بأنه هذه أخبار مرسلة غير مبرهنة، وبأنه على فرض ثبوتها فلايمتنع أن ينتسب إلى أهل السنة مبتدع، كما انتسب إلى الصحابة منافقون، والجملة الأهم في جواب الامام ابن تيمية هي قوله:
(ومن استدل بزندقة بعض الناس في الباطن على أن علماء المسلمين كلهم زناقدة؛ كان من أجهل الناس) [منهاج السنة النبوية]
وهكذا فإن من استدل بموقف بعض الموظفين المنتسبين للعلم الشرعي على أن جمهور علماء أهل السنة ودعاتهم كذلك فهو من أجهل الناس.

المهم .. لا أطيل عليكم بقصتي مع هذا المغالط، لكن كل الذي أريده منك يا أخي الكريم أنك حين تواجه شخصاً من هؤلاء المفسدين يحاول “شحن المتلقين ضد المتدينين” عبر مضغ هذه الفكرة التقليدية وهي أن فقهاء ودعاة أهل السنة لاينطلقون من عقائد وأحكام شرعية فعلية، بقدر ماهي صفقة سياسية مع الحكومة، فأرجوك أرجوك أن تتحاشى التوتر والانفعال، اطرح عليه بكل هدوء سؤالاً واحداً فقط: “أعطني مثالاً واحداً فقط لمسألة شرعية غيَّر الاسلاميون فيها الحكم الشرعي لأجل أن طرفاً سياسياً ما طلب منهم ذلك؟” .
وصدقني بمجرد أن تطرح هذا السؤال في مواجهته فستجد كيف يتحول هديره واستطالته إلى تقلصات في قسمات وجهه تبدأ بالارتباك وتنتهي بالحيرة، وسينكشف للمتلقين بكل بساطة مكر هذه الدعوى.

ولكن لم يستخدم قراصنة الأديان هذه الدعوى كثيراً؟
الحقيقة -بكل اختصار- أن اللجوء الى اتهام فقهاء ودعاة أهل السنة والجماعة بالأغراض السياسية (عبر البحث عن المستفيد السياسي من الحكم الشرعي) إنما هي مجرد آلية مريحة للتخلص من عبء الإجابة الموضوعية على اعتبارات الأحكام الشرعية، فهؤلاء المفسدون تشيع فيهم الأنيميا العلمية الفظيعة، سيما في علوم الوحي، فلايمكنهم جمع أسانيد الأحاديث محل البحث ومعرفة صحتها وسقمها، ولاتحرير نسبة المذاهب لأربابها، ولاتحقيق مواطن الاجماع والخلاف، ولامعرفة القواعد اللغوية المؤثرة على لفظ القرآن والسنة ودلالتهما، ولاالقدرة على تتبع تصرفات الشارع في الموضوع محل البحث، ونحو ذلك من القدرات والإمكانيات العلمية اللازمة للتفنيد الموضوعي، وبالمقابل: تملي عليهم أهواؤهم وشهواتهم الرغبة الملحة في التخلص من ضغوط الخطاب الدعوي الذي ينشر هذه المفاهيم الشرعية التي تقلق وتزعج نزواتهم، وتحرجهم بتكريس البشاعة الاجتماعية للمنكرات التي يهوونها، فلذلك يلجؤون إلى إسقاط الخطاب الشرعي ذاته عبر اتهام أهل السنة بأن قضاياهم الشرعية هذه إنما هي “صفقة سياسية” فيسقطون المحمول باسقاط الحامل له، لكي يتخلصوا من كلفة الانقياد لله رب العالمين.

ولكن هل آلية “التغريض السياسي” (أعني اتهام المصلحين بالأغراض السياسية) وسيلة جديدة ومعاصرة؟ لا، أبداً، بل كان خصوم الأنبياء يستخدمونها منذ آماد سحيقة، ولذلك لما عجزت حاشية فرعون عن مواجهة موسى “موضوعياً” لجأت إلى اتهامه بالأغراض السياسية، كما حكى الله مقالتهم فقال:
(قالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ)

فانظر -بالله عليك- كيف أنهم لما أفلسوا في التفنيد الموضوعي لحجج موسى على قضاياه الشرعية، لجؤوا إلى اتهامه بأنه باحث هو وشقيقه عن النفوذ السياسي، ويهدفون من ذلك إلى تشويهه لشحن الناس ضده وعزلهم عنه، وقد كان للفقيه اللامع ابن سعدي –رحمه الله- تعليقاً أخاذاً على هذه الحجة السياسية لحاشية فرعون، حيث يقول رحمه الله :
(هذا لا يحتج به من عرف الحقائق، فإن الحجج لا تدفع إلا بالحجج، وأما من جاء بالحق فردُّ قوله بأمثال هذه الأمور إنما يدل على عجز موردها عن الإتيان بما يرد القول الذي جاء به خصمه، لأنه لو كان له حجة لأوردها، ولم يلجأ إلى قوله: قصدك كذا، أو مرادك كذا)[تيسير الكريم الرحمن].

والمراد أن مايردده هؤلاء المتبرمون من انتشار التدين في الناس بأن القضايا الشرعية هي صفقات سياسية إنما هو مجرد تحاشٍ واعٍ للالتزامات العلمية في مواجهة أصول وقواعد ومنطلقات أهل السنة والجماعة، والتسييس عموماً (أي الاتهام بالأغراض السياسية) لايؤثر على الحقائق الموضوعية ذاتها، فهب فعلاً أن فلاناً أو فلاناً من الناس ممن يقحمون أنفسهم في سلك العلوم الشرعية لهم علاقات مشبوهة مع بعض النافذين في النظم السياسية، فما دخل هذا كله في القضايا الشرعية ذاتها والتي تشكلت وقررت في كتب أهل العلم قبل أن يلبس أحبار السوء هؤلاء مشالحهم؟!

على أية حال.. الباحث الموضوعي المنصف يرى الأمر أيسر من ذلك بكثير، وهو أن الفقيه والداعية المسلم الذي شهدت الأمه بصلاحه وتقواه، قد يعرض له أحياناً قصور بشري فيسترسل في الالتفات إلى ثناء المخلوقين، أو يتزين لهم بكلمة أوكلمتين ونحوها، ولكنه يجاهد نفسه ويعود للاقبال على إرادة وجه الله والدار الآخرة، هذا حق وواقع لاينكره أحد، بل أهل السنة دائموا التذكير بتفتيش النيات والتفطن لعزوبها وانصرافها عن غير مولاها، أما القول بأن القضايا الشرعية العقدية والفقهية والأخلاقية المذكورة في القرآن والسنة، والتي تتابع أهل العلم على شرحها وبيانها، أنها صفقات سياسية فهذا كله مجرد نفق منحط يتسلل أصحابه من خلاله ليتجنبوا الحوار تحت ضوء البراهين.

ولايشفي نفس المؤمن ويروي غليلها حين التأمل في هذه الصراعات الفكرية مثل أن يستحضر الانسان أن مبنى هذه المرحلة من حياة الناس كلها على “اختبار الانقياد” لله ورسوله، فلادين إلا بامتحان وتمحيص ولذلك قال تعالى في سياق التعجب من فهم الناس في مطلع سورة العنكبوت (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ).

ولذلك فمن أعظم غايات الخالق من التشريعات القرآنية والنبوية فحص مابداخل هذه النفوس من الانقياد لله ورسوله، ولذلك أخبر سبحانه وتعالى أن اختلاف شرائع الأنبياء كلها إنما كانت بغرض “اختبار الانقياد” كما قال تعالى في سورة المائدة (لكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).

ومن تتبع تعقيبات القرآن على التشريعات أخذته الدهشة من كثرة إشارة الله سبحانه وتعالى بعد الأحكام التي يشرعها إلى أن مراده اختبار وتمحيص انقياد الناس له جل وعلا، ومن ذلك –مثلاً- أن الله لما ذكر تشريع الجهاد قال (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) ، ولما ذكر الله تشريع تحريم الصيد على الحاج قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) . وهذا الابتلاء للصحابة بوفرة الصيد في الزمن المحرم فيه الصيد، يشبه ابتلاء من قبلنا بوفره الصيد في الزمن الذي حرم الله عليهم الصيد فيه كما قال تعالى (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ).  ولما ذكر الله بعض أحكام الأيمان في سورة النحل قال (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ).

والمراد أن الله سبحانه وتعالى قاصد إلى فحص مافي داخل هذه النفوس من الاستسلام لله ورسوله كما قال تعالى (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ). فبعض الناس يوفقه الله فيصبر وينجح، وبعض الناس يرسب في أدنى تجارب الاختبار فيضيع مستقبله الحقيقي كما قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ).

عذراً عزيزي القارئ لقد استطردت كثيراً كثيراً، والحقيقة أنني كنت أتمنى عرض تقنيات أخرى يستعملها هؤلاء المفسدون في تذويب التدين في النفوس لكنني أطلت كثيراً هاهنا، فأتمنى أن تتاح حلقة قادمة –بإذن الله- لعرض تقنياتهم الأخرى مثل “تنقيض الفروض الكفائية”  و “تحويل الاستثناء إلى أصل”  و “التنميط الغريزي للمتدين”  و “حاكمية الخلاف” و “اختزال الشريعة في قطعي الثبوت والدلالة” .. وغيرها من التقنيات والآليات الماكرة التي يستعملونها في تبديد دوافع التدين في نفوس الشباب المسلم.

فإلى حلقة قادمة بإذن الله، واسأل الله أن يحفظ علينا وعلى شباب المسلمين إيمانهم وتدينهم وتعظيمهم لكتاب الله وسنة رسوله، وحبهم لأهل العلم الربانيين، والله أعلم.

ضوابط في حب الدعاة

محبتنا للدعاة والمفكرين الإسلاميين من محبة الإسلام والحمية له, والدفاع عنهم من النصرة لدين الله والغضب له هكذا أعتقد , لكن هذه المحبة والحمية والدفاع ينبغي أن تكون مضبوطة بضوابط الشريعة إذ المحبة في الله عبادة ولا ينبغي أن يعبد الله تعالى إلا كما شرع .

فمن الضوابط التي ينبغي مراعاتها في هذه المحبة : إعطاء هذا الداعية أو المفكر حجمه الحقيقي فلا نضفي عليه من الأوصاف ما لا يستحق كما لا نضعه في مواقف لا يحسن التعامل معها فإذا كان واعظا أو سياسيا لا يوقف في مواقف الفقهاء والمحدثين , وكذلك الأمر فيما لو كان فقيها أو محدثا لا نوقفه في مواقف المفكرين والسياسيين .

نعم قد يكون الفقيه أو السياسي متعدد المواهب ولديه ملكات مختلفة , وهنا لا بأس أن نتعامل معه على قدر ما آتاه الله تعالى , لكن لا يحكم له بالبراعة في توجه معين حتى يشهد له من أهل ذلك الاختصاص بأنه كفؤ لهم فيه , لأنهم أعرف الناس بمواضع القوة والضعف في اختصاصاتهم , وتجاوزهم في ذلك والحكم على الشخص بقدر إبهاره لنا , لا بمقدار ما يحكم له أهل الاختصاص من الصواب في أحكامه وتحليلاته , هو من إسناد الأمر إلى عير أهله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) .

وإذا ثبت أن هذا الرجل أهل للأخذ عنه فيما يتحدث فيه , فينبغي أن لا نضفي على آرائه ولو كانت في مجاله صفة القطعية التي تمنعنا من الاستماع إلى سواه من أهل الاختصاص , فإن التسليم بقطعية حكم ما إساءة رباعية الأبعاد , ويمكن للقارئ تأمل أبعادها بتصور قضية اتخذنا فيها حكما قطعيا لزمن ثم اضطررنا بضغط من قوة الحق أن نسلم بخطأ ذلك الحكم الذي كان قبل أيام قطعيا لا يجوز المساس به ولم تكن حرمته لقوة دليله بقدر ما كانت لقدسية الآخذين به في أذهاننا . وهذا المنهج الذي أعبر عنه هو ما تعلمناه من سلفنا الصالح حيث تواتر عنهم قولهم : كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وينبني على عدم إسباغ القطعية على آراء هذا الرجل : أن نتعامل مع خصومه بالعدل الذي أمرنا به الله تعالى في قوله : ( ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) ومن العدل أن نرد على أفكارهم دون أن نتجاوزها إلى وصفهم أحيانا بالعلمانية والليبرالية وبالإخوانية والسرورية والجامية أحيانا أخرى فمحل الخلاف هو الفكرة التي نناقشها معه أما مرجعيته فليس لنا بها شأن إلا في حال أن يستند إليها في استدلاله على ما يذهب إليه أما فيما سوى ذلك فإنني أرى أن وصف الخصم بمثل هذه الأوصاف هو من العجز في النقاش وله من السلبيات أن هذا المخاطب إن كان علمانيا أو ليبراليا أو إخوانيا أو جاميا حقا فهو لا يرى وصفنا إياه بذلك من الذم والتقريع بل يراه من بالغ الثناء عليه وإن كان لا يتبنى هذا المنهج فقد بهتناه بهتانا لا يتناسب مع ما ندعيه من توجه ديني ونخشى أن ينطبق علينا إذ ذاك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافق بأنه : إذا خاصم فجر .

وينبغي أن لا تغيب عنا الخلفية الفكرية لهذا الداعية أو المفكر , فقد يكون في أطواره الأولى ماركسيا أو علمانيا أو نصرانيا أو يهوديا أو مبتدعا ثم تبنى التوجه الإسلامي .

ولقائل أن يقول : ولم ذلك أليس الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها ؟

فيقال : نعم : التوبة تجب ما قبلها عند الله تعالى, وحين نتعامل مع هذا التائب في أحكام الشريعة المتعلقة بالدنيا , أما حين يقدم لنا هذا التائب نفسه كمفكر وداعية فلا ينبغي أن نغفل في تقييم أفكاره خلفيته الفكرية , فقد ثبت بالتجربة أنه من النادر أن ينفك أحد عن خلفيته الفكرية انفكاكا تاما ولا بد أن تجد لذلك التاريخ الشخصي أثره على طريقة هذا الرجل في التفكير أو فهم النصوص أو الحكم على الناس أو الأفكار الأخرى .

فمن الصعب علي أن أتصور أن رجلا ذا خلفية ماركسية أو مسيحية يصبح فجأة أو بالتدرج أكثر سلفية ممن رضعوا السلفية من أثداء أمهاتهم .

بل إن أثر تلك الخلفية قد لا يكون في جانب التأثر بل في أخذه الجهة المقابلة لأفكاره القديمة كنوع من ردة الفعل , وليس بالضرورة أن تكون الجهة المقابلة هي الفكرة الحقة التي ينبغي علينا تبنيها .

كما أن من ثبت في تاريخه الفكري كثرة تنقله بين التوجهات المتناقضة يوجب علينا وضع علامة استفهام حول دواعي هذا الانتقال فهو إما أن يكون متسلقا يتبع المنهج المنتصر صاحب الغلبة على الساحة ليكون أكثر جماهيرية أو يكون مضطربا فكريا لا يملك ما يسمى بالولاء الفكري أو يكون مهتديا حقا , ووقوعنا في تقييمه بين هذه الخيارات الثلاث يحتم علينا التريث قبل أن نتبنى أفكاره أو نتبناه هو كمفكر إسلامي.

كتبه : د. محمد السعيدي

كم نجيد صنع المشكلات !!

حواراتنا أصبحت معارك، ومعارفنا أصبحت احتكاراً، ورؤيتنا أصبحت مطلقة، وذواتنا أصبحت مقدسة، وما أكثر مداخل الشيطان التي توحي لنا بأن معاركنا، حوارات جادة، واحتكارنا للمعرفة، حفظ لقيمة العلم، ورؤيتنا المطلقة، أدلة قطعية، ويستمر هذا المسلسل، مسلسل تداخل المفاهيم وتعدد مواطن المتشابهات، ولا ينجو منه إلا من جمع بين العلم والتقوى (ومن لم يجعل الله له نورا، فما له من نور).

ومن المكرور أننا قد نتفق على المبدأ، ونأتلف على الأحكام العامة، إلا أن من طبيعتنا أن نختلف في وجهات النظر، ونتعارض في تحقيق المناط، ومع ذلك فإننا لا نعترف بالتوافق الجزئي، ولا نبحث في أقوال الآخرين عما يوافق رؤيتنا رغبة في تقريب وجهات النظر، كلا، فالمطلوب إما أن توافقني كليا، وإما أن تخالفني كليا.

وقل مثل هذا حين نتباحث في المسائل الثقافية والقضايا الفكرية، فإننا لا نلبث أن نتنازع دون تحرير لمواطن النزاع، وحين نحررها، فإننا لا نعطيها حجمها الصحيح، وحين نعطيها حجمها الصحيح، فإننا لا نمنحها المدة الملائمة لحجمها، وحين نمنجها المدة الملائمة، فإننا لا نتبع المنهجية الصحيحة تجاهها!!

وموطن آخر من مواطن الخلل حين نكون صرعى لقراءات غيرنا الناقصة أو القاصرة، بل ربما تكون قراءات غيرنا ناجحة وتامة، ولكنها أعدت من أجل أهدافٍ معينة، وقد خدمت أهدافها بالفعل، وبتنا اليوم معتمدين على هذه القراءات القديمة دون أن ندرك كم نحتاج إلى قراءات جديدة تفي بأغراضنا المعاصرة!!

ورغم أنه من المنطقي أن يجتمع في الإنسان صواب وخطأ، إلا أننا نرى صواب الموافق لنا وكأنه ما أخطأ قط، ونرى خطأ المخالف لنا وكأنه ما أصاب قط، ولا نسمي هذا التضخيم قصورا في الرؤية أو ضعفا في التقييم ـ حاشا لله !! ـ بل نسميه (نصرة للرؤية) و(دعماً للرمز)، حتى أصبحت منهجيتنا في التعامل مع الساحة الثقافية (التغاضى عن صواب المخالفين وزلل الموافقين، والتصفيق لزلل المخالفين وصواب الموافقين).

ترى هل نخطئ عندما نريد إقامة الدليل على صحة معلوماتنا؟ الجواب: نعم، وأخطاؤنا أيضا في هذا الأمر كثيرة، أحيانا نعزل المعلومة عن سياقها، وأحيانا لا نتسامح في بعض الألفاظ والدلالات التي من الممكن أن تُحمل على محمل حسن، وأحيانا نلزم المخالف بما لا يلزم من كلامه، وأحيانا نلزمه بما يلزم من كلامه ونحمّله تبعة ذلك، دون أن يدرك ـ صاحب الكلام ـ هذه اللوازم، ولو عرفها لترك فكرته، ولكن لأننا نوقن داخل أنفسنا أنه لن يترك قوله ولن يتراجع عنه، فإننا عند بيان وجهة نظرنا له، نرميه بشيء من التسفيه، والتجهيل، حتى يرتدع! ولكي لا يغتر بقوله القراء الأعزاء! فيا ترى من هذا الذي سوف يرتدع بهذه الطريقة!! ومن هؤلاء القراء الذين سوف يقتنعون بهذا الكاتب!!!.

ومن أخطائنا في إقامة الحجة على صحة ما ذهبنا إليه في مسألة من المسائل، أننا لا نجرؤ على تحري أولى الطرق بإثبات صحة ما ذهبنا إليه من أقوال، فحين يختلف شخصان في مسألة ويأتي كل منهما بأقوال العلماء الذين يوافقونه، ومع ذلك يستمر الاختلاف، فيأتي كل منهما بمزيد من الأقوال والحجج والأمثلة والتشبيهات لإثبات صحة قوله، دون أن يجرؤ أي منهما على التعريج على البحر تاركا القنوات، وعلى المنهج دون الأمثلة، وعلى المصدر الأول دون الناقلين عنه، وفي هذا دلالة على ضعف التأصيل العلمي عند المتناظرين، فكلاهما لا يملك أصولا وأسسا تمكنه من النظر في المصادر الأصلية، فإن كان هذا حال المتخالفين من الضعف فليعترف كلا منهم بأنه بذل أقصى ما يستطيع في إثبات رأيه وليقل : هذا فراق بيني وبينك في هذه المسألة، قاطعا حبل الجدل، واصلاً حبل المحبة، معترفا بقصوره في العلم، عازما على مزيد من التحصيل، مدركا لفضل العلماء السابقين، وأمثالهم من الجهابذة المعاصرين.

ومن أخطائنا في الحوار، أننا لا ننظر إلى القيمة الحقيقة للمسألة محل النقاش، ولا نهتم بقيمتها العملية، فكل معلومة تحمل أثرا عمليا، ومآلات ملازمة لها، والمعلومة التي لا تتميز بهذه الصفة لا تحتاج منا أن نهتم بها، وهكذا ندرك أننا نخوض جدالنا في غياب الهدف العلمي، ولكن في حضور الهدف الذاتي والأغراض الشخصية.

فيا لنا من مثقفين، كم نجيد صنع المشكلات!!

سيطرة الأخطاء

حين تسيطر المادة على المعلم والدكتور والوزير فلا يعملون من عمل إلا بمقابل مادي ، تظل هناك مشاعل ضوء يحملها أهل التدين والعلم الشرعي يعلمون الناس ويخالطونهم ويجلسون معهم ويستمعون منهم دون مقابل ودون أجر مادي ولو بسيط لسبب معلوم هو : لله ، (( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ )) يعملون هذا كله لله عز وجل ، وعلى بساطة هذا السبب إلا أن الناس ينسونه كلما ازدادوا رتبة في العلم والمنصب والجاه.

حين تسيطر ظاهرة الخيانة والنفاق على الإعلامي ، والوزير ، والسفير فلا يتكلمون بكلمة الحق التي ينبغي أن تقال ولو أغضبت الأمير ، تظل هناك مصابيح هدى لا تقبل أبدا أن تكون شياطين خرساء تكتم الحق وتساعد في تضليل الناس ، لسبب بسيط أنهم حملوا أمانة العلم من الله عز وجل وقد أخذ عليهم الميثاق لتبيينه للناس ولا تكتمونه ، ولكن يبدو أن الناس كلما تقدموا في المراكز والمناصب كانوا أكثر ( وعيا ) فلا يتكلمون إلا بما أذن لهم ( السلطان ) وقال ( كما يراد منه ) .

حين تسيطر الحزبية على أبناء الوطن الواحد فتصبح العداوة لمن خالف في المذهب أو الجنس أو التيار ويصبح احتكار الحق تبعا ( لأهواء وأفكار ) كل فريق ، تبقى هنالك شمس من الحق ، يشرق بها حزب واحد لا يعرف معنى الهوى ، ولا الفكر الدخيل ولا يمنع أحد من الدخول في حزبه أو يطرد أحدا كان معه ، لأن شروط عضوية هذا الحزب من عند الله سبحانه وتعالى (( أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) .

حين تسيطر التبعية للمذاهب الغربية فهذا لبرالي بالأمس كان اشتراكيا وبعد غد سيصبح شيئا ما جديد وذاك حداثيا وتلك متحررة ، سوف تبقى ثلة من الناس (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) وسيماهم في كذلك أفكارهم ، وفي ثباتهم على الحق ، وفي إطرادهم في المنهج وما ذلك إلا لسبب بسيط هو : (( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ )) ولكن يبدو أن مثقفي اليوم كلما زادت ثقافتهم كلما قل تسليمهم لله تعالى ولرسوله الكريم.

حين يسيطر إتباع الأشخاص لا الفكرة  ، والرموز لا المنهج ، تنقسم عرى التيار الواحد ، ويعتزل العقل وظيفته الأساسية ، ويستخدم الإعلام لصناعة الرمز بدلا من الفكرة ، ولتقديس الشخص بدلا من المنهج ، تجد فريقا من أصحاب اليقين لا يعرفون معنى للإعلام سوى أنه لبيان المنهج الرباني ، ولتوضيح الطريق الحق للناس وإرشادهم إلى النور الذي أنزل إليهم من ربهم وما ذلك إلا لسبب بسيط هو (( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ )) ، ولكن يبدو أن تيارات اليوم ليس لديها الفكرة ، ولا المنهج.

وأخيرا:
حين يتساءل المثقفون في البلد الواحد عن الثوابت ، ويستفسرون عن الأصول ، ويختلفون على كليهما ،  تعرف أن هناك خطأ ما ، اسمه ( غياب المرجعية ).

نظرات في البرامج التربوية ( 9- رفع كفاءة البرامج )

إننا نقوم ببرامج كثيرة في أوساطنا ، برامج روتينية لها أوقات محددة ، وبرامج استثنائية بحسب الحاجة وتتعالى الأصوات بين الحين والآخر إلى الحاجة إلى المزيد من البرامج  : إما لتطوير العاملين أو لحل المشكلات ، والاستجابة لهذه الأصوات المتعالية سوف يزيد من عدد البرامج بنوعيها زيادة سوف تخلق معها مشاكل أخرى منها : ازدحام أوقات العاملين وزيادة انشغالهم عن حياتهم اليومية واحتياجاتهم الدنيوية ، ضعف الاهتمام بالبرامج الفردية وكذلك ترسيخ العقلية الساذجة أو البسيطة في التعامل مع قضايا التطوير حيث سيترسخ في مفاهيم العاملين أن الحلول لمشكلات الوسط دائما في الجديد من برامج ، أشخاص ، دروس ، موارد مالية ، لوازم وكماليات وغير ذلك بدلا من أن يتكون لديهم عقليات متسائلة ، وتحليلية تهتم – على سبيل المثال – بأسباب فشل البرامج الحالية ، هل هو بسبب أشخاص معينين أم طريقة إدارتها أم سوء الظروف المحيطة ، وكذلك هي عقليات تتساءل حول جوانب الفشل بمعنى : هل فشلت في جميع جوانبها ؟ ، وما الجوانب المشرقة التي تحتويها ؟ وتثير تساؤلاتها حول إمكانية استبدلها إذا لزم الأمر ، أو تقوم بإصلاح الخلل الذي اعتراها.
وأحد الحلول التي أراها للعديد من المشكلات التفكير في رفع كفاءة البرامج الحالية ، بحيث نخرج منها بأكبر فائدة ممكنة.
عندنا في تحلية المياه نستخدم الحرارة لتبخير المياه ثم تكثيف المياه لنحصل على المياه المحلاة ، هذه هي العملية البسيطة لتحلية المياه ، ولكننا نهتم برفع كفاءة عمليات التحلية فنضيف عملية إضافية ، فمثلا نستخدم البخار قبل تكثيفه في عمليات التسخين نحتاجها ، وهكذا ..
إننا يجب أن نبحث عن طرق عديدة لرفع كفاءة البرامج المقامة، ألا تدركون أننا حين نتفق على برنامج ما ، ونكلف أنفسنا بتنفيذه ، ثم نطبقه بطريقة عشوائية أننا قد غبنا أنفسنا . لأنه ما دمنا طبقنا البرنامج فلنكلف أنفسنا بالاهتمام قليلا في مسألة : كيف نستفيد الاستفادة القصوى منه؟
مثل : من يذبح الذبيحة ، ويستفيد من لحمها ، ولو شاء لاستفاد من صوفها أيضا ، ولو أراد أن يستفيد من قرونها لاستفاد ،وهكذا نريد ألا نقوم ببرنامج حتى نستفيد منه الاستفادة القصوى .

أخيرا :
إخوتي الكرام أعلم أن لديكم طرق كثيرة أفضل من هذه ولكن العقول تحتاج شرارة لتعمل ، وأرجو أن يكون هذا المقال هو ( الشرارة ) التي تطلق العقول من عقالها .