القراءة بالأهدف : برنامج مقترح للمبتدئ

صيغة البرنامج :

أقترح أن توضع سلسلة من الكتب وبجانب كل كتاب الفوائد التي تتحقق منه لكي يسهل على القارئ أن يختار الكتاب الذي يناسبه .

وكذلك أن تكون الكتب نفسها شاملة لمجالات ثقافية كثيرة . ومن المناسب أيضا أن يكون عنوان هذه المجموعة ( اكتشف نفسك : ما المجال الذي تحبه ؟ ) ليتم وضع سلسلة أخرى في كل مجال على حدة بعد أن يكتشف القارئ المبتدئ مجاله الذي يهواه .

وقد حاولت تطبيق هذين الأمرين في رسالتي البسيطة – في الفقرات من  11 إلى 16 – :
1- مقالات لكبار كتاب العربية ( أحسبه أهم كتاب في هذه المجموعة ) : ويحقق أهداف كثيرة منها : أن يعرف أن الأسلوب الأدبي ليس أسلوبا واحدا . أن يعرف الأديب الذي يميل إلى أسلوبه فيكثف بعد ذلك من القراءة له ، المقارنة بين أساليب الأدباء لإدراك الفروقات بينهم ، إدراك كيفية توظيف الأدب في قضايا الإصلاح ، غرس مفاهيم شرعية من خلال القضايا التي يتناولها هؤلاء الأدباء .
2- فصول في التفكير الموضوعي ( ثاني كتاب في الأهمية ) : ويحقق الاهداف التالية : التعرف على مفهوم التفكير الموضوعي وأسسه ، ودور السلف في ترسيخ هذا التفكير ، وتطبيقات السلف للتفكير الموضوعي ، تقنياتهم المستخدمة في ذلك.
3-من أنفع الكتب : شرح مسائل الجاهلية للشيخ الفوزان أو قراءة المتن نفسه فهو نفيس جدا ويبين نعمة الله على عبده بهذا الإسلام ، وما الفرق الذي أحدثه الإسلام  وأضعه في المرتبة ( الثالثة ) . ومثله في المرتبة شريط رواسب الجاهلية للمنجد وكتاب محمد حسين يعقوب لعله : ماذا بعد الإلتزام ؟!!!
4- يضارعه في المرتبة والأهداف كتابان هما : ماذا خسر العالم ؟ ، وكتاب شكيب لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم .
5-سلسلة المحاجة العقلية الرائعة ( الإسلام لعصرنا ) ولكن مشكلتها أن كثير من مقالاتها قد تدور في فلك بعيد عن اهتمامات الكثير . ولكن يمكن جمع المفيد منها .
6-رسالة في الطريق إلى ثقافتنا وهي بالمنزلة الخامسة وتهدف إلى : بيان أثر الغزو الثقافي وأساليبه في القضاء على بقية التقدم الحضاري الإسلامي ، الهم الذي يحمله الشيخ من أجل نصرة الإسلام والذي أوصله إلى ( العكوف على كتب التراث عشر سنوات قراءة وتأملا وتدقيقا ) .
7- محاضرات بكّار المفرغة وهي مطبوعة وعلى رأسها في الاهمية : ( تدعيم الذات ) ثم ( نهضة أمة ) و ( وضوح الرؤية ) وأخرى عن القراءة وغيرذلك من مواضيع .
8- تشكيل عقلية إسلامية معاصرة .
9- كيف تؤلف كتابا ؟ د.راشد العبد الكريم إخراج مميز ، مادة رائعة وجميلة أما تربويا فيعود لمربي . .
10- ما تحت الأقنعة : د. محمد الصغير . وهو يعطي نبذة عن المشكلات النفسية التي قد تواجه الشاب وتؤثر على سلوكه سواء في إلتزامه بدينه أو قراراته الشخصية .
11-في القرآن الكريم : لا يروي غليلي سوى ( قواعد التدبر الامثل للميداني ) ولكن هناك كتاب آخر نافع أيضا وهو ( تأملات قرانية ) لمحمد قطب ، وللشيخ العويد كتيب جديد عن التدبر نافع ولكن لا يحضرني أسمه .. إضافة إلى ذلك : رسائل جوال تدبر المطبوعة .  ويمكن أيضا : جمع مقالات الشيخ السكران المتعلقة بالتدبر .. خاصة وأنه لا يذكر أسماء أشخاص أو طوائف بعينها وإنما عادته : الطوائف الفكرية . أو كلمات أخرى لا تثير إشكالا كبيرا.
12 – في الأدب : البيان والتبين للجاحظ ، مقامات الحريري .
13 وفي الحديث : سلسلة الصغير في شروحات أحاديث مختارة .
14- وفي التاريخ : العالم العربي في التاريخ الحديث لاسماعيل ياغي.
15 – وفي الفقه : مختصر الشمائل المحمدية : ويهدف إلى التعرف على صفات الرسول عليه الصلاة والسلام ، وجذب العقليات التي تحب الدقة والتحري فلاشك أنها سوف تنبهر بدقة التخريج وتعدد الرويات والدقة في نقلها .
16- في الأخلاق : هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا : عابد خزندار
17 – في السلوك : تعظيم قدر الصلاة للمروزي ولو هناك مختصر قاصر على صحيح الأحاديث والآثار فهو أنفع .
18- ومن أفضل كتب الإيمانيات : كتاب محمد حسين يعقوب ولعل اسمه ( طريق الوصول ) .
19 – وتحتاج هذه القائمة إلى عدد من الكتب في جانب السير الشخصية ولكني فقير في هذا الجانب ، ولا يخفى عليك أيها المربي  أبدا أن القارئ المبتدئ إذا كان صغير السن فإن أهم شيء لتحفيزه هو ( صناعة القدوة ) ومن خلال السير الشخصية المناسبة تتحقق هذه الغاية النبيلة .

محبك

الإعلانات

حول كتاب ( ظاهرة الفكر التربوي )

ليت الإخوة الكرام الذين قرؤوا هذا الكتاب يتحفونا بنتائج قراءاتهم له .. على هذا الإيميل

badralislam@gmail.com

إن كانت في صورة مقالات وسوف أقوم بنشرها بإذن الله تعالى .. وإلا فيمكن لهم التعليق وإبداء رأيهم  في هذه الزاوية ..

وقريبا بإذن الله تعالى خلال شهر صفر القادم سوف أنشر تدوينتي حول هذا الكتاب ..

محبكم

وشكرا .

التغريض السياسي ( ابراهيم السكران )

الحمدلله وبعد،، هذه رسالة إليك أنت يا أخي المتدين، يامن لاتزال الحمية للشريعة والغيرة على الاسلام وأهله تلتهب في قلبك، أنت تعرف –ياأخي الكريم- أن هناك اليوم قراصنة جدد مهجوسون مشغوفون لايرتاح لهم جانب في أن يجتاحوا تدين الشباب ويسلبوهم غيرتهم ليجعلوهم مشاركين لهم حول طاولات الأهواء ولذائذ التنصل عن أحكام رب العالمين، ويستخدمون في ذلك كل وسائل الاتصال والتأثير في الناس، سواء عبر الأعمدة الصحفية أو المقابلات الفضائية أو بالأقنعة المنتدياتية أو بالسهرات الفكرية، بل حتى برسائل الجوال، منهومون لاينقطعون في بعث وترويج كل تعليق أو نقل أو اقتباس أو إشاعة يكون من شأنها إرباك قناعات الناس تجاه أحكام الشريعة، وتصديع اليقين بالمعطيات الشرعية، وتذويب التدين في نفوس الناس، أنت تعرف ذلك جيداً، ولم يعد الأمر بخافٍ على أحد، ولكني -يا أخي الكريم- أريد أن أحدثك عن بعض تقنياتهم ووسائلهم المدهشة في تجميد التدين في النفوس، وتبديد دوافع الغيرة والحمية للشريعة.

ووالله الذي لا إله غيره أن رأس مال المرء في هذه الدنيا دينه وإيمانه وعلاقته بالله ورسوله، وماهي إلا سويعات قلائل ويقال “أحسن الله عزاءكم في فلان”، وينتقل المرء إلى عالم آخر هو مستقبله الحقيقي لن ينفعه فيه إلا صبره في هذه الأيام المحدودة على مراد الله ورسوله، ولذلك تتوافد الملائكة من شتى الأبواب على أهل الجنة لحظة دخولها منوهين بصبرهم على مراد الله ورسوله كما قال تعالى (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) نسأل الله الكريم أن نكون جزءاً من هذا المشهد البهيج، وفي الصباح يحمد القوم السرى.

والمراد يا أخي الكريم أنه لاخير فينا –والله العظيم- إن بقي شبابنا الأخيار ضحايا لمكر هؤلاء في سلب الشباب تدينهم وتكبيل انقيادهم لله ورسوله، وقد شاهدنا من مكرهم ألواناً وألواناً تجعل المرء يصفق كفاً بكف متعجباً كيف يمضي هؤلاء ليلهم ونهارهم في تشويش تدين الناس والشباب المسلم ولاحول ولاقوة إلا بالله، ويشهد التاريخ أن تلبيس مفاهيم التدين على الناس من أعظم مهام المفسدين كما قال الحق تبارك وتعالى (لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) .
لنأت الآن إلى غرض هذه المقالة وهو ذكر أساليب وتقنيات أهل الأهواء الفكرية في إضعاف التدين في النفوس:
أول وأهم وأكثر التقنيات فاعلية هي “شحن الشاب ضد المتدينين والأخيار” تمهيداً لعزله عن مغذيات التدين، وهذه الطريقة في غاية الفعالية والتأثير، لأن إسقاط الآمرين بالمعروف بالكامل إسقاط للمعروف الذي يحملون، وإسقاط الناهين عن المنكر بالكامل إسقاط لنكارة المنكر الذي ينكرونه، فإسقاط العلماء والدعاة بالكامل إسقاط للعلوم الشرعية والدعوة الاسلامية التي يحملون، فبدلاً من النقاش الموضوعي حول أدلة أحكام الشريعة يكتفون باسقاط الحامل ليسقط المحمول، ولذلك تجد حرصهم وولعهم الشديد بتشويه المتدينين والمصلحين والعلماء وسائر الناجحين من دعاة أهل السنة والجماعة وإلصاق كافة المعايب والمهامز بهم.

ومن أكثر وسائلهم رواجاً لتحقيق هذا الغرض “اتهام المصلحين بالأغراض السياسية” فتجد هؤلاء يقولون لك دوماً هؤلاء الفقهاء والدعاة يبحثون عن السلطة، أو يقولون لك هؤلاء لهم “صفقة سياسية مع الحكومة” وقد التقيت مرةً بأحد هؤلاء فأخذ يدور ويطوف حول فكرة أن هؤلاء الاسلاميين عندهم صفقة قذرة مع الحكومة، قلت له أعطني مسألة شرعية واحدة، مسألة واحدة فقط، غيّر جمهور العلماء والدعاة فيها موقفهم لأجل أن السلطة السياسية تريد ذلك، أو بدّل أهل السنة والجماعة الحكم الشرعي فيها لأجل صفقة سياسية كما تقول؟
تردد هذا المسكين قليلاً، ثم ذكر أمثلةً زادت دعواه هشاشةً، فقال: انظر الآن في التهييج الطائفي عند الاسلاميين وحماسهم ضد الشيعة وخرافة “المد الصفوي”، ونحوها من المصطلحات، كل ذلك لأن الدولة الآن لها صراع مع إيران، فهذا التأليب الاسلامي ضد الشيعة الآن إنما هو صفقة مع الحكومة، فقال له أحد الجالسين: أهل السنة والجماعة منذ خلق الله الشيعة وعندهم موقف جذري ضدهم يصل إلى تكفير بعض طوائفهم، وقال له آخر: وهل “منهاج السنة” لابن تيمية صفقة مع حكومتنا أيضاً؟!

والمراد أن أهل السنة لهم موقف عقائدي صريح ضد الشيعة سواء كان النظام السياسي المحلي يتبنى الحوار والدبلوماسية معهم، أم يتبنى المواجهة الاعلامية ضدهم، فلم يغير أهل السنة موقفهم العقدي، بل ولم يكلفوا أنفسهم –أصلاً- بمعرفة بوصلة مصالح النظم السياسية المعاصرة وتبدلاتها المستمرة في العلاقة مع الشيعة، فالعقيدة عقيدة.

فقال صاحبنا دعنا من هذا المثال: هل تتذكر إنكار فلان وفلان (وعدد أسماء شخصيات بعينها) ضد الاختلاط في المنتدى الاقتصادي بجدة، وكل ذلك لأن أحد أجنحة السلطة له موقف ضد الجناح الآخر، فقلت له: منكر الاختلاط أحد أهم المنكرات المعروفة عند المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة، ومنذ مائتي سنة ودعاة أهل السنة صاروا يكتبون فيه بشكل متزايد بتزايد البلاء، ولم يغير الفقهاء والدعاة موقفهم لأجل أن السلطة السياسية تريده، أو لأجل أن السلطة السياسية لاتريده.

ثم أنت الآن لو دققت في كلامك لاكتشفت أن مؤداه أنك تقول أن السلطة فيها جناحان، أي أنك ترى أن السلطة فيها جناح مستفيد من دعم الاختلاط وجناح يستفيد من معارضته، وهذا يعني أن غالب العقائد والأحكام الشرعية لاتخلوا من وجود طرف سياسي قد يستفيد منها، وبالتالي فلو اعتبرنا ذلك قادحاً فيها لتركنا عقائد الاسلام وشرائعه بالكلية! حتى لاتكون صفقات سياسية كما تردد.

قال لي: انظر في الهجمة التي يقودها فلان وفلان (وعدّد –أيضاً- أسماء شخصيات دعوية بعينها) ضد غازي القصيبي ومن يسمى الفريق الليبرالي للملك عبدالله، كل ذلك أيضاً جزء من صفقة سياسية قذرة، قلت له: موقف الاسلاميين من غازي القصيبي تعرف أنت أنه منذ أيام أزمة الخليج، ولم يغيروا موقفهم منه لأن شخصية سياسية ما طلبت منهم ذلك.

قال لي: حسناً .. هل تنكر أن الملك فيصل وقع صفقة سياسية مع الاسلاميين لضرب الناصرية والقومية والماركسية والبعثية الخ، قلت له: يارحمك الله، أجزم أنك تعرف في قرارة نفسك كذب هذا المثال، فأنت تعرف -بالشكل الكافي جداً- أن عبدالناصر نكّل بالعلماء والدعاة، وأقام لهم المعتقلات الجماعية، وأعدم “ضمير الدعوة” في تلك المرحلة سيد قطب رحمه الله، ولذلك ناصبه الدعاة العداء، وليس لأن الملك فيصل طلب منهم ذلك، أو لأنه أبرم معهم صفقة سياسية. وأنت تعرف أيضاً  -بصورة واضحة تماماً- أن موقف الاسلاميين من سائر التيارات التغريبية هو هو لم يتغير، فلم يكن الاسلاميون ماركسيون ثم انقلبوا على ماركس لما طلب منهم الملك فيصل ذلك.

شارك شخص آخر من نفس طينة صاحبنا وقال: أتنكر أن رمزكم الدعوي رقم واحد أيام أزمة الخليج صار اليوم يمدح النظام العلماني التونسي ويتهم الاسلاميين بأنهم شوهوه، ومن تقبل إراقة الإطراء الديني للنظام العلماني التونسي فهو لمن فوقه أشد إطراءً، أم أن هذه أيضاً ليست مصافحة سياسية؟! قلت له: بيض الله وجهك، جعل الله والديك في الجنة، فقل لي بالله عليك كيف صار موقف فقهاء ودعاة أهل السنة من هذه المقالة التي ذكرتها؟! وانظر من كان يحضر درسه سابقاً أكثر من عشرة آلاف، فصار لايحضره اليوم إلا كهول المسجد الذي يقام فيه الدرس للبركة فقط، فهذا مثال ناصع عليك لا لك، وهو أن الاتجاه اسلامي تيار رشيد عاقل شديد النفور من تبديل الأحكام الشرعية في دهاليز السياسة.

يا أخي الكريم أنت تزعجنا في كل مجلس بأن الاسلاميين عندهم صفقة سياسية قذرة مع أحد أجنحة السلطة، وإلى الآن لم تأتِ بمثال واحد، بل بمسألة شرعية واحدة فقط، تثبت فيها أن جمهور الاسلاميين من فقهاء ودعاة أهل السنة والجماعة غيروا رأيهم فيها لأن السلطة السياسية طلبت منهم ذلك، ألا تستحي من تكرار هذه القضية؟!

ثم لو سرنا على منطقك هذا لقلنا أيضاً: يجب أن لاننتقد الرمز الشيعي حسن نصر الله حتى لاتكون صفقة سياسية مع اسرائيل، ويجب أن لانهاجم التشيع الإيراني حتى لاتكون صفقة سياسية مع النظم الملكية الخليجية، وكان يجب على المسلمين أن لايقاوموا الغزو الروسي لأفغانستان، بل كان يجب على الأفغان أن يرحبوا بالروس ويقدموا لهم ألذ وجبات التميس حتى لاتكون صفقة سياسية مع أمريكا، ويجب على المسلمين أن لايقاوموا اجتياح صدام للكويت وشمال المملكة حتى لاتكون صفقة سياسية مع القوات الأمريكية، وكان يجب على المسلمين أن لايقاوموا الغزو الأمريكي للعراق حتى لاتكون صفقة سياسية مع حزب البعث، الخ هذه التفريغات للمحتوى الموضوعي للعقائد والأحكام بذريعة أن طرفاً سياسياً ما يستفيد منها فهي صفقة سياسية!

بل إذا أصبحت تفكر بهذا المنطق الساذج فأخشى أن تتهم النبي وأصحابه حين تمنوا هزيمة الفرس بأنهم في صفقة سياسية مع الروم، أو أنهم يخدمون مصالح الامبراطورية الرومية، وأن تتهم النبي بأنه حين شرع تمويل السّلم أنه في صفقة سياسية مع كبار المقرضين، وأنه حين حرم هروب الرقيق أنه في صفقة سياسية مع طبقة السادة، وأن الصحابة –رضوان الرحمن عليهم- إنما قاتلوا المرتدين مع أبي بكر الصديق ليس لأجل قادح عقدي يتصل بإنكار أحد القطعيات الشرعية، بل لهدف اقتصادي لأجل الميزانية وخزينة الدولة.

وهكذا تحاول إسقاط كل مفهوم شرعي عبر البحث عن مستفيد منه، ثم إطلاق الشائعات أن فقهاء ودعاة أهل السنة والجماعة في صفقة سياسية مع هذا المستفيد من هذا الحكم الشرعي، وهذه الطريقة –صدقني- سرعان ماتنكشف بمجرد أن يواجهك الباحث الواثق بالمعطيات الموضوعية للحكم الشرعي، ويتيقظ لهذا الفخ التقليدي الذي تضعه له، والذي هو بكل اختصار “الطعن في الأحكام الشرعية بتهمة الصفقة السياسية مع المستفيدين منها”.

مضى على هذه المناقشة زمناً، ثم وقعت حادثة “الاختلاط الكاوستي” في الشهر الماضي فأرسل لي صاحبنا وقال: (هاه يابوعمر .. لاتزال على رأيك .. انظر حولك حفلة الفتاوى التي تساقطت تدعم مشروع الاختلاط) قلت له: والله لم أر أعظم مكابرة منك، هذه الحادثة تثبت فعلاً استقلال جمهور الاسلاميين من فقهاء ودعاة أهل السنة الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والديانة، أفلا ترى الفريق الوزاري المعني بالأمر ضغط بقوة في هذا الاتجاه، إلى درجة تنظيم مؤامرة “صبيحة المقالات الشثرية” ، ثم إقالة أحد أعضاء هيئة كبار العلماء بهدف إرهاب المنكرين، ثم التدمير المنظم للمواقع الالكترونية الاحتسابية الشهيرة .. ومع كل هذا الثقل الحساس للموضوع وتبعاته الخطيرة، وعنجهية الفريق الليبرالي/السياسي الذي يقود المشروع، مع ذلك كله فقد صرح بالانكار والتغليظ الشيخ الإمام عبدالرحمن البراك وصالح الفوزان والعباد والسعد والطريفي وغيرهم، وكتبت مجموعة من علماء وقضاة مكة المكرمة بياناً مطولاً أدانت فيه الاختلاط، وكتب كثير من المفكرين والكتاب الاسلاميين مقالات تنتقد الوضع، ثم عادت قناة المجد واستضافت الداعية المعروف ناصر العمر وتحدث مجدداً عن الموضوع، فضلاً عن مئات المقالات التي كتبها الشباب المسلم في المنتديات والمجموعات البريدية ..الخ

بل أنت تعلم أن مراسلي الصحف الكبرى يطوفون يومياً على المشايخ في الرياض والحجاز والشرقية وغيرها علهم يظفرون بأي دعم فقهي، ومع ذلك لم يظفروا إلا بأسماء معينة إما هذه هي طبيعتها منذ الأصل، وإما أنها من الشخصيات المعزولة عن الواقع فاستغفلت ولم تعرف بالضبط أبعاد تلك الاستدراجات الصحفية.
والمراد أنه مع كل هذه المقاومة والإنكار العلني، وتمسك البقية بالتحريم ممن آثروا الصمت؛ تصر على أن فقهاء ودعاة أهل السنة إنما تقوم مبادؤهم على الصفقات السياسية!

وهذه -بالمناسبة- من أقبح أساليبهم في المغالطة، حيث يأتون بنماذج لشخصيات تنسب نفسها للعلم الشرعي، برغم أن الناس تعلم تبعيتها السياسية التامة، وليسوا من علماء أهل السنة المتبوعين الذين شهد لهم الخاص والعام بالعلم والديانة، فيأتي هؤلاء المفسدون ويأخذون مواقف هذه الشخصيات ويستدلون بها على أن علماء ودعاة أهل السنة والجماعة كذلك، ويقولون انظر إلى مواقف فلان وفلان، والجميع يعلم أن هذه الأسماء المذكورة إنما يتعاملون مع العلم الشرعي باعتباره “كادر وظيفي” وليس باعتباره “رسالة دينية” .

وهذا الأسلوب يتكرر كثيراً، وأحياناً يستخدمون فيه المكاثرة والتهويل فيحشرون أسماء لشخصيات رسمية من نمط “الشيخ الوظيفي” الذي سبقت الاشارة اليه، ويقولون انظروا إلى تغير فتاوى هؤلاء لما غيَّر النظام السياسي موقفه! وسلوكهم هذا في المكابرة المكشوفة يذكرني بنفس سلوك شيخ الشيعة الحلِّي الذي تساجل مع الامام ابن تيمية، حيث زعم الحلِّي أن في أهل السنة من هو مؤمن بالتشيع لكنه يخفيه لكي لايذهب عليه نفوذه السياسي! حيث يقول الحلي في منهاج الكرامة:
(وكثيرا ما رأينا من يتدين في الباطن بمذهب الإمامية، ويمنعه عن إظهاره حب الدنيا وطلب الرياسة، وقد رأيت بعض أئمة الحنابلة يقول إني على مذهب الإمامية، فقلت: لم تدرِّس على مذهب الحنابلة، فقال ليس في مذهبكم البغلات والمشاهرات. وكان أكبر مدرسي الشافعيه في زماننا حيث توفي أوصى أن يتولى أمره في غسله وتجهيزه بعض المؤمنين، وأن يدفن في مشهد مولانا الكاظم، وأشهد عليه أنه كان على مذهب الإمامية).
فرد عليه ابن تيمية بأنه هذه أخبار مرسلة غير مبرهنة، وبأنه على فرض ثبوتها فلايمتنع أن ينتسب إلى أهل السنة مبتدع، كما انتسب إلى الصحابة منافقون، والجملة الأهم في جواب الامام ابن تيمية هي قوله:
(ومن استدل بزندقة بعض الناس في الباطن على أن علماء المسلمين كلهم زناقدة؛ كان من أجهل الناس) [منهاج السنة النبوية]
وهكذا فإن من استدل بموقف بعض الموظفين المنتسبين للعلم الشرعي على أن جمهور علماء أهل السنة ودعاتهم كذلك فهو من أجهل الناس.

المهم .. لا أطيل عليكم بقصتي مع هذا المغالط، لكن كل الذي أريده منك يا أخي الكريم أنك حين تواجه شخصاً من هؤلاء المفسدين يحاول “شحن المتلقين ضد المتدينين” عبر مضغ هذه الفكرة التقليدية وهي أن فقهاء ودعاة أهل السنة لاينطلقون من عقائد وأحكام شرعية فعلية، بقدر ماهي صفقة سياسية مع الحكومة، فأرجوك أرجوك أن تتحاشى التوتر والانفعال، اطرح عليه بكل هدوء سؤالاً واحداً فقط: “أعطني مثالاً واحداً فقط لمسألة شرعية غيَّر الاسلاميون فيها الحكم الشرعي لأجل أن طرفاً سياسياً ما طلب منهم ذلك؟” .
وصدقني بمجرد أن تطرح هذا السؤال في مواجهته فستجد كيف يتحول هديره واستطالته إلى تقلصات في قسمات وجهه تبدأ بالارتباك وتنتهي بالحيرة، وسينكشف للمتلقين بكل بساطة مكر هذه الدعوى.

ولكن لم يستخدم قراصنة الأديان هذه الدعوى كثيراً؟
الحقيقة -بكل اختصار- أن اللجوء الى اتهام فقهاء ودعاة أهل السنة والجماعة بالأغراض السياسية (عبر البحث عن المستفيد السياسي من الحكم الشرعي) إنما هي مجرد آلية مريحة للتخلص من عبء الإجابة الموضوعية على اعتبارات الأحكام الشرعية، فهؤلاء المفسدون تشيع فيهم الأنيميا العلمية الفظيعة، سيما في علوم الوحي، فلايمكنهم جمع أسانيد الأحاديث محل البحث ومعرفة صحتها وسقمها، ولاتحرير نسبة المذاهب لأربابها، ولاتحقيق مواطن الاجماع والخلاف، ولامعرفة القواعد اللغوية المؤثرة على لفظ القرآن والسنة ودلالتهما، ولاالقدرة على تتبع تصرفات الشارع في الموضوع محل البحث، ونحو ذلك من القدرات والإمكانيات العلمية اللازمة للتفنيد الموضوعي، وبالمقابل: تملي عليهم أهواؤهم وشهواتهم الرغبة الملحة في التخلص من ضغوط الخطاب الدعوي الذي ينشر هذه المفاهيم الشرعية التي تقلق وتزعج نزواتهم، وتحرجهم بتكريس البشاعة الاجتماعية للمنكرات التي يهوونها، فلذلك يلجؤون إلى إسقاط الخطاب الشرعي ذاته عبر اتهام أهل السنة بأن قضاياهم الشرعية هذه إنما هي “صفقة سياسية” فيسقطون المحمول باسقاط الحامل له، لكي يتخلصوا من كلفة الانقياد لله رب العالمين.

ولكن هل آلية “التغريض السياسي” (أعني اتهام المصلحين بالأغراض السياسية) وسيلة جديدة ومعاصرة؟ لا، أبداً، بل كان خصوم الأنبياء يستخدمونها منذ آماد سحيقة، ولذلك لما عجزت حاشية فرعون عن مواجهة موسى “موضوعياً” لجأت إلى اتهامه بالأغراض السياسية، كما حكى الله مقالتهم فقال:
(قالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ)

فانظر -بالله عليك- كيف أنهم لما أفلسوا في التفنيد الموضوعي لحجج موسى على قضاياه الشرعية، لجؤوا إلى اتهامه بأنه باحث هو وشقيقه عن النفوذ السياسي، ويهدفون من ذلك إلى تشويهه لشحن الناس ضده وعزلهم عنه، وقد كان للفقيه اللامع ابن سعدي –رحمه الله- تعليقاً أخاذاً على هذه الحجة السياسية لحاشية فرعون، حيث يقول رحمه الله :
(هذا لا يحتج به من عرف الحقائق، فإن الحجج لا تدفع إلا بالحجج، وأما من جاء بالحق فردُّ قوله بأمثال هذه الأمور إنما يدل على عجز موردها عن الإتيان بما يرد القول الذي جاء به خصمه، لأنه لو كان له حجة لأوردها، ولم يلجأ إلى قوله: قصدك كذا، أو مرادك كذا)[تيسير الكريم الرحمن].

والمراد أن مايردده هؤلاء المتبرمون من انتشار التدين في الناس بأن القضايا الشرعية هي صفقات سياسية إنما هو مجرد تحاشٍ واعٍ للالتزامات العلمية في مواجهة أصول وقواعد ومنطلقات أهل السنة والجماعة، والتسييس عموماً (أي الاتهام بالأغراض السياسية) لايؤثر على الحقائق الموضوعية ذاتها، فهب فعلاً أن فلاناً أو فلاناً من الناس ممن يقحمون أنفسهم في سلك العلوم الشرعية لهم علاقات مشبوهة مع بعض النافذين في النظم السياسية، فما دخل هذا كله في القضايا الشرعية ذاتها والتي تشكلت وقررت في كتب أهل العلم قبل أن يلبس أحبار السوء هؤلاء مشالحهم؟!

على أية حال.. الباحث الموضوعي المنصف يرى الأمر أيسر من ذلك بكثير، وهو أن الفقيه والداعية المسلم الذي شهدت الأمه بصلاحه وتقواه، قد يعرض له أحياناً قصور بشري فيسترسل في الالتفات إلى ثناء المخلوقين، أو يتزين لهم بكلمة أوكلمتين ونحوها، ولكنه يجاهد نفسه ويعود للاقبال على إرادة وجه الله والدار الآخرة، هذا حق وواقع لاينكره أحد، بل أهل السنة دائموا التذكير بتفتيش النيات والتفطن لعزوبها وانصرافها عن غير مولاها، أما القول بأن القضايا الشرعية العقدية والفقهية والأخلاقية المذكورة في القرآن والسنة، والتي تتابع أهل العلم على شرحها وبيانها، أنها صفقات سياسية فهذا كله مجرد نفق منحط يتسلل أصحابه من خلاله ليتجنبوا الحوار تحت ضوء البراهين.

ولايشفي نفس المؤمن ويروي غليلها حين التأمل في هذه الصراعات الفكرية مثل أن يستحضر الانسان أن مبنى هذه المرحلة من حياة الناس كلها على “اختبار الانقياد” لله ورسوله، فلادين إلا بامتحان وتمحيص ولذلك قال تعالى في سياق التعجب من فهم الناس في مطلع سورة العنكبوت (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ).

ولذلك فمن أعظم غايات الخالق من التشريعات القرآنية والنبوية فحص مابداخل هذه النفوس من الانقياد لله ورسوله، ولذلك أخبر سبحانه وتعالى أن اختلاف شرائع الأنبياء كلها إنما كانت بغرض “اختبار الانقياد” كما قال تعالى في سورة المائدة (لكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).

ومن تتبع تعقيبات القرآن على التشريعات أخذته الدهشة من كثرة إشارة الله سبحانه وتعالى بعد الأحكام التي يشرعها إلى أن مراده اختبار وتمحيص انقياد الناس له جل وعلا، ومن ذلك –مثلاً- أن الله لما ذكر تشريع الجهاد قال (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) ، ولما ذكر الله تشريع تحريم الصيد على الحاج قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) . وهذا الابتلاء للصحابة بوفرة الصيد في الزمن المحرم فيه الصيد، يشبه ابتلاء من قبلنا بوفره الصيد في الزمن الذي حرم الله عليهم الصيد فيه كما قال تعالى (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ).  ولما ذكر الله بعض أحكام الأيمان في سورة النحل قال (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ).

والمراد أن الله سبحانه وتعالى قاصد إلى فحص مافي داخل هذه النفوس من الاستسلام لله ورسوله كما قال تعالى (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ). فبعض الناس يوفقه الله فيصبر وينجح، وبعض الناس يرسب في أدنى تجارب الاختبار فيضيع مستقبله الحقيقي كما قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ).

عذراً عزيزي القارئ لقد استطردت كثيراً كثيراً، والحقيقة أنني كنت أتمنى عرض تقنيات أخرى يستعملها هؤلاء المفسدون في تذويب التدين في النفوس لكنني أطلت كثيراً هاهنا، فأتمنى أن تتاح حلقة قادمة –بإذن الله- لعرض تقنياتهم الأخرى مثل “تنقيض الفروض الكفائية”  و “تحويل الاستثناء إلى أصل”  و “التنميط الغريزي للمتدين”  و “حاكمية الخلاف” و “اختزال الشريعة في قطعي الثبوت والدلالة” .. وغيرها من التقنيات والآليات الماكرة التي يستعملونها في تبديد دوافع التدين في نفوس الشباب المسلم.

فإلى حلقة قادمة بإذن الله، واسأل الله أن يحفظ علينا وعلى شباب المسلمين إيمانهم وتدينهم وتعظيمهم لكتاب الله وسنة رسوله، وحبهم لأهل العلم الربانيين، والله أعلم.

ضوابط في حب الدعاة

محبتنا للدعاة والمفكرين الإسلاميين من محبة الإسلام والحمية له, والدفاع عنهم من النصرة لدين الله والغضب له هكذا أعتقد , لكن هذه المحبة والحمية والدفاع ينبغي أن تكون مضبوطة بضوابط الشريعة إذ المحبة في الله عبادة ولا ينبغي أن يعبد الله تعالى إلا كما شرع .

فمن الضوابط التي ينبغي مراعاتها في هذه المحبة : إعطاء هذا الداعية أو المفكر حجمه الحقيقي فلا نضفي عليه من الأوصاف ما لا يستحق كما لا نضعه في مواقف لا يحسن التعامل معها فإذا كان واعظا أو سياسيا لا يوقف في مواقف الفقهاء والمحدثين , وكذلك الأمر فيما لو كان فقيها أو محدثا لا نوقفه في مواقف المفكرين والسياسيين .

نعم قد يكون الفقيه أو السياسي متعدد المواهب ولديه ملكات مختلفة , وهنا لا بأس أن نتعامل معه على قدر ما آتاه الله تعالى , لكن لا يحكم له بالبراعة في توجه معين حتى يشهد له من أهل ذلك الاختصاص بأنه كفؤ لهم فيه , لأنهم أعرف الناس بمواضع القوة والضعف في اختصاصاتهم , وتجاوزهم في ذلك والحكم على الشخص بقدر إبهاره لنا , لا بمقدار ما يحكم له أهل الاختصاص من الصواب في أحكامه وتحليلاته , هو من إسناد الأمر إلى عير أهله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) .

وإذا ثبت أن هذا الرجل أهل للأخذ عنه فيما يتحدث فيه , فينبغي أن لا نضفي على آرائه ولو كانت في مجاله صفة القطعية التي تمنعنا من الاستماع إلى سواه من أهل الاختصاص , فإن التسليم بقطعية حكم ما إساءة رباعية الأبعاد , ويمكن للقارئ تأمل أبعادها بتصور قضية اتخذنا فيها حكما قطعيا لزمن ثم اضطررنا بضغط من قوة الحق أن نسلم بخطأ ذلك الحكم الذي كان قبل أيام قطعيا لا يجوز المساس به ولم تكن حرمته لقوة دليله بقدر ما كانت لقدسية الآخذين به في أذهاننا . وهذا المنهج الذي أعبر عنه هو ما تعلمناه من سلفنا الصالح حيث تواتر عنهم قولهم : كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وينبني على عدم إسباغ القطعية على آراء هذا الرجل : أن نتعامل مع خصومه بالعدل الذي أمرنا به الله تعالى في قوله : ( ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) ومن العدل أن نرد على أفكارهم دون أن نتجاوزها إلى وصفهم أحيانا بالعلمانية والليبرالية وبالإخوانية والسرورية والجامية أحيانا أخرى فمحل الخلاف هو الفكرة التي نناقشها معه أما مرجعيته فليس لنا بها شأن إلا في حال أن يستند إليها في استدلاله على ما يذهب إليه أما فيما سوى ذلك فإنني أرى أن وصف الخصم بمثل هذه الأوصاف هو من العجز في النقاش وله من السلبيات أن هذا المخاطب إن كان علمانيا أو ليبراليا أو إخوانيا أو جاميا حقا فهو لا يرى وصفنا إياه بذلك من الذم والتقريع بل يراه من بالغ الثناء عليه وإن كان لا يتبنى هذا المنهج فقد بهتناه بهتانا لا يتناسب مع ما ندعيه من توجه ديني ونخشى أن ينطبق علينا إذ ذاك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافق بأنه : إذا خاصم فجر .

وينبغي أن لا تغيب عنا الخلفية الفكرية لهذا الداعية أو المفكر , فقد يكون في أطواره الأولى ماركسيا أو علمانيا أو نصرانيا أو يهوديا أو مبتدعا ثم تبنى التوجه الإسلامي .

ولقائل أن يقول : ولم ذلك أليس الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها ؟

فيقال : نعم : التوبة تجب ما قبلها عند الله تعالى, وحين نتعامل مع هذا التائب في أحكام الشريعة المتعلقة بالدنيا , أما حين يقدم لنا هذا التائب نفسه كمفكر وداعية فلا ينبغي أن نغفل في تقييم أفكاره خلفيته الفكرية , فقد ثبت بالتجربة أنه من النادر أن ينفك أحد عن خلفيته الفكرية انفكاكا تاما ولا بد أن تجد لذلك التاريخ الشخصي أثره على طريقة هذا الرجل في التفكير أو فهم النصوص أو الحكم على الناس أو الأفكار الأخرى .

فمن الصعب علي أن أتصور أن رجلا ذا خلفية ماركسية أو مسيحية يصبح فجأة أو بالتدرج أكثر سلفية ممن رضعوا السلفية من أثداء أمهاتهم .

بل إن أثر تلك الخلفية قد لا يكون في جانب التأثر بل في أخذه الجهة المقابلة لأفكاره القديمة كنوع من ردة الفعل , وليس بالضرورة أن تكون الجهة المقابلة هي الفكرة الحقة التي ينبغي علينا تبنيها .

كما أن من ثبت في تاريخه الفكري كثرة تنقله بين التوجهات المتناقضة يوجب علينا وضع علامة استفهام حول دواعي هذا الانتقال فهو إما أن يكون متسلقا يتبع المنهج المنتصر صاحب الغلبة على الساحة ليكون أكثر جماهيرية أو يكون مضطربا فكريا لا يملك ما يسمى بالولاء الفكري أو يكون مهتديا حقا , ووقوعنا في تقييمه بين هذه الخيارات الثلاث يحتم علينا التريث قبل أن نتبنى أفكاره أو نتبناه هو كمفكر إسلامي.

كتبه : د. محمد السعيدي

مناهج الاسلاميين في مقاومة التغريب

مقدمة :
هذا المقال كتبه ابراهيم السكران حفظه الله تعالى ، وفيه ارشاد للشباب المسلم عموما ، والمتدين خصوصا في كيفية التعامل مع الحضارة الغربية ، وعلاقتها بالدعوة إلى الله تعالى ، وتربية الشباب ، أرجو أن تستفيدوا منه فهو غاية في الأهمية ، وشكرا.

” أصبح هناك اليوم منهجان واضحان لصيانة الهوية ومقاومة تهديدات التغريب, وإذا شئنا أن نتجاوز المفاهيم الثقافية إلى جوهر الإشكالية في عبارة بسيطة، فإن الفتنة التي تعرض للشباب المسلم اليوم هي “استعظام دنيا الكفار”, والمراد أن هذه الفتنة المعاصرة خلقت منهجين لمقاومتهما, كلاهما يحاولان الإجابة على إشكالية “مقاومة تهديدات التغريب” وهذان المنهجان: أولهما: منهج “تعظيم الدنيا” ويستهدف هذا المنهج إعادة عرض الوحي في صورة المعظِّم لشأن عمران الدنيا, وإعادة عرض التراث باعتباره ينشد الحضارة والمدنية الدنيوية, وهدف هذا المنهج من إعادة رسم المشهد بهذه الطريقة “تلافي الاصطدام بين سطوة الحضارة والدين” حتى لا يتخلى الناس عن عقيدتهم وإيمانهم وتراثهم إذا رأوها لا تدفع باتجاه الحضارة الدنيوية, وهذا المنهج أخذ به بعض المنتسبين للُّغة الدعوية الحديثة, ولا يشك الإنسان أن كثيراً منهم أخذ بهذا المنهج بحسن قصد بهدف تقريب الإسلام للناس وخصوصاً للطبقات المثقفة بالثقافة الغربية المعاصرة, حيث يردد كثيراً أصحاب هذا الاتجاه (إن آخر ما يمكن أن نقاوم به التغريب هو التزهيد في الدنيا). وثانيهما: منهج “تعظيم العبودية” ويستهدف هذا المنهج تربية الناس -والشباب خصوصاً- على ما تواتر عليه القرآن والسنة وفقه القرون المفضلة من “تعليق القلوب بالآخرة”, والاستعلاء على حطام الدنيا وزهرتها, واعتبارها مجرد وسيلة نحرص عليها لننصر مبدأنا لا لكونها عظيمة في ذاتها, وترسيخ هذا المعنى في النفوس. فإذا امتلأ قلب الشاب المسلم بمعاني “تعظيم الآخرة ووسيلية الدنيا” أصبحت القرون المفضلة في وعيه أرقى المجتمعات وأشرفها بما بلغته من تنوير العلوم الإلهية ومنازل العبودية ثم الاجتهاد في تحصيل وسائلها الدنيوية مع عدم الركون إليها, وأصبح المجتمع الغربي في نظره حالة من الانحطاط والظلامية بسبب ما سُلِبه من تنوير العلوم الإلهية والإعراض عن الله, والاستغراق في تدبير المعاش الحاضر وعلم ظاهر الحياة والدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون, وهذا المنهج أخذ به جماهير الإسلاميين اليوم ولله الحمد. والواقع أنه عند التأمل والتدبر يكتشف الإنسان –بكل بداهة- أن المنهج الثاني هو المنهج الذي أخذ به النبي صلى الله عليه وسلم, وربّى أصحابه عليه. فإن أصحاب النبي رضوان الله عليهم لم يستطيعوا أن يدكوا حضارة فارس والروم إلا حين زكى النبي صلى الله عليه وسلم نفوسهم وربى فيهم تعظيم الآخرة ووسيلية الدنيا, والشموخ بالعلوم الإلهية, فرباهم على ذلك بكل حدث يمرون به, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل الأحداث والوقائع لترسيخ معنى إرادة الله والدار الآخرة في نفوس أصحابه والاستعلاء على مظاهر الدنيا واعتبارها مجرد وسيلة لبناء المستقبل الأخروي. والشواهد والمستندات التي تؤكد أن هذا المنهج هو “المنهج النبوي” في مقاومة تهديدات الهوية كثيرة جداً, بل أكثرها يعرفها القارئ الكريم, ومنها على سبيل المثال أنه حين مر النبي صلى الله عليه وسلم بالجدي الأسك استغل الحادثة وربى في أصحابه حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة, فكما روى مسلم من حديث جابر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلا من بعض العالية, والناس كنفته, فمر بجدي أسك ميت, فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء, وما نصنع به. قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا والله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت؟! فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم). وحين أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية, أعاد ذات الدرس عليهم, فكما روى البخاري عن البراء بن عازب قال: (أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سرقة من حرير, فجعل الناس يتداولونها بينهم ويعجبون من حسنها ولينها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون منها؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة خير منها). وحين تضايق عمر من بذاذة بيت رسول الله بالنسبة إلى قصور الحضارات الأخرى, رباه النبي صلى الله عليه وسلم بحزم على هذا المعنى, حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب أنه قال: (رفعت رأسي في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أُهباً ثلاثة, فلما رأيت أثر الحصير في جنبه قلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله, فاستوى النبي جالسا ثم قال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا»). هذا الحوار العظيم بين النبي وعمر من أدق المشاهد التي تحكم بين المنهجين السابقين وتفصل فيهما, فحين عبَّر عمر عن تألمه وهو يقارن “المظاهر الدنيوية” في الحضارة الفارسية والرومية بمحدودية المجتمع الإسلامي,لم يعبر له صلى الله عليه وسلم عن “تعظيم الدنيا” ليداري سطوة الحضارة عليه, فلم يقل له النبي إن لدينا نصوصاً كثيرة في فضل عمران الدنيا ونحن نسعى لبنائها أيضاً. بل بالعكس من ذلك تماماً, فقد حذره من أن يغتر بتلك المظاهر المدنية الدنيوية, وأعاد تذكيره بقطب رحى الإسلام “مركزية الآخرة”, وخاطبه بعبارة شديدة فيها استعظام لموقف عمر, فقال له: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) وفي رواية أخرى في الصحيحين أن النبي قال له: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟). هذه هي التربية النبوية, وهذا هو منهج النبوة في مقاومة سطوة الحضارات الأخرى, أما إذا أكدنا للمتسائل عظمة الدنيا فقد أججنا دوافع الانبهار أصلاً, وصببنا الزيت على النار, ذلك أن استعظام دنيا الكفار لا يعالج بـ”تعظيم الدنيا”, لأنه وبكل بساطة لا يعالج الأثر السلبي بتكريس دوافعه! فهل عالج القرآن الركون بتأكيد احترام الإسلام للدعة؟ وهل عالج القرآن التثاقل إلى الأرض عن الجهاد بتأكيد احترام الإسلام لجبلَّة كراهية القتال؟ وتأمل في كل الآثار السلبية لا تجد القرآن يعالجها بتأكيد دوافعها, وهذا أمر ظاهر. وإنما يحسن بيان “أهمية الدنيا” في حالتين فقط: إما أن يوجد مثقف يظن أن الإسلام يدعو للرهبنة وتحريم الطيبات والرفاه, فهذا يبين له أن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين من أكل الطيبات, وأن الله لم يحرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق, وأنه من أَخذ المال بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع, وأن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه, ونحو ذلك. وأما الحالة الثانية: فهي أن يوجد شاب متحمس يظن أن العمل للإسلام لا يستحق تحصيل الأسباب والسعي فيها وأنه ليس ثمة سنن كونية للنجاح الإصلاحي, فهذا يبين له أمر الله بإعداد القوة واتخاذ الأسباب, وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وأن النبي ظاهر بين درعين, وقال (ألا إن القوة الرمي), وأن قوم شعيب قالوا: {ولولا رهطك لرجمناك}, ونحو ذلك. فمثل هذين الحالين –وإن كانا ليسا شائعين بحمد الله- يحسن فيهما بيان أهمية الدنيا لا يخالف في ذلك أحد من فقهاء الإسلام, أما تحويل الخطاب الديني كله إلى شحن قلوب الناس والشباب المسلم بتعظيم الدنيا والمغالاة في قيمة المدنية المادية وإقرار كونها المعيار في تقييم المجتمعات والشخصيات فهذا انحراف مصادم للمنهج القرآني والتزكية النبوية وهدي القرون المفضلة. ومما يؤكد ما سبق أنه حين جاءت الجزية من البحرين صلى بعض الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم متعرضين له، علّه أن يصيبهم من المال، فأعاد النبي درس الدنيا/الآخرة فكما روى البخاري في الصحيح عن عمرو بن عوف الأنصاري: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي, فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين, فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم, فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له, فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم وقال: أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا أجل يا رسول الله. قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم, فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم). وهذا المعنى وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخشى الفقر على أمته, بل كان يخشى عليهم المنافسة في شؤون الدنيا, أعاده عليهم بحروفه, وذلك حين صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين, كما روى البخاري في الصحيح عن عقبة بن عامر قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات, ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط, وأنا عليكم شهيد, وإن موعدكم الحوض, وإني لأنظر إليه من مقامي هذا, وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم). بل كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقارن بين قيمة الدنيا وقيمة الآخرة, فكما قارن بين مناديل سعد في الجنة والدنيا, فإنه قال كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها, ولقاب قوس أحدكم من الجنة, أو موضع قيد يعني سوطه, خير من الدنيا وما فيها). وقد كان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على أن الرفاه التام إنما هو في الآخرة, وأن الكفار هم الذين يتتبعون ألوان الرفاه في الدنيا كما نبههم على ذلك حين حرَّم الحرير وآنية الذهب فقال لهم: (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج, ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة, ولا تأكلوا في صحافها, فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة) خرجاه من حديث حذيفة. بل تأمل في صورة الدنيا كلها كيف ضرب لها النبي صلى عليه وسلم مثلاً فريداً فقال كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن, وجنة الكافر). وضرب لها مثلاً آخر فقال صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء). ومن وجه آخر لم يكتف الخطاب القرآني ببيان وسيلية الدنيا وخطر تعظيمها فقط, بل كانت آيات القرآن تتنزَّل على مجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوالية في وقائع متتابعة تؤكد مرة بعد أخرى على تعميق الشعور بفرادة المجتمع المسلم وعلوهم على كل قوى المجتمعات الدنيوية الكافرة, انظر كيف تزكيهم آيات القرآن بهذا المعنى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139] والخطاب في هذه الآية ليس لرسول الله بل هو لـ”المؤمنين” في مجتمع الصحابة ومن بعدهم, كم هي دلالة عميقة أن تكون هذه الآية نزلت أصلاً في لحظة “انكسار عسكري” أمام قوى الكفر, ومع ذلك يؤكد لهم تعالى أنهم “الأعلون”, بل ولا يعتبر هذا المعنى مجرد “تشريف” بل هو “عقيدة” ولذلك ربط التمسك بها بصحة الإيمان فقال: {إن كنتم مؤمنين}. هذا المعنى لـ”علو الإيمان” لا يعقله التغريبيون المعاصرون, ولذلك إذا رأوا بعض الدول الإسلامية المستضعفة تتساقط تحت قوى الإمبريالية الغربية, يرددون: إن دعاة الإسلام هم باعة الوهم ومروجو التضليل وتغييب الوعي إذ خدرونا بشعار “استعلاء الإيمان” ونحن نتساقط تحت قوى الكفر. وهذا من أبين الأدلة وأظهرها على أن المعيار الإلهي لقيمة المجتمعات ليس هو “مظاهر القوة المدنية” بل المعيار الإلهي هو “العبودية” بمعناها الشامل, الذي تكون فيه التزكية الإيمانية وفروض الأعيان في هرمه, ويليها الفروض الكفائية ومصالح المسلمين العامة. وعلى أية حال، أمثال هذه النصوص الشرعية لا تخفى القارئ العزيز قطعاً, بل هو يعرف مثلها وزيادة, وإنما المقصود تذكير النفس والإخوان بها, والإشارة إلى طرف من البراهين الكثيرة على صحة المنهج الإسلامي في صيانة الهوية ومقاومة تهديدات التغريب, وضعف المناهج الحديثة. وكون الدنيا وسيلة للآخرة, يؤكده ما ذكره بعض محققي الأصوليين من أن وظيفة التشريع إقامة مصالح الدنيا لتقوم مصالح الآخرة, كما قال الإمام أبو حامد في الإحياء: (وأحكام الخلافة, والقضاء, والسياسات, بل أكثر أحكام الفقه, مقصودها: حفظ مصالح الدنيا, ليتم بها مصالح الدين). مع أن هذه بعض وظائفها, إلا أنه ربطها بالهدف النهائي وهو إقامة الدين, والكلام على تعليل الشريعة سبق في مقالة “مآلات الخطاب المدني”. ومن تأمل في “تراجع الخيرية” في قرون الإسلام الأولى علم أنه كلما ابتعد الناس عن نور النبوة الأولى والتربية النبوية الأخروية فإنه يحصل لبعض المنحرفين في المجتمع الإسلامي من الانبهار بالثقافات المجاورة ما لا يحصل لسابقيهم, وهذا كله بسبب ما نقص في قلوبهم من تعظيم الآخرة عمن سبقهم, وما داخل القلوب من التثاقل إلى الأرض. بل إن من تأمل لحظة ارتطام الفكر الإسلامي بسطوة الحداثة اليونانية في تاريخ الإسلام المبكر وكيف سببت ارتجاجات وفقدان تماسك لدى كثير من العباقرة والأذكياء, علم أن أئمة الإسلام الذين ثبتوا في تلك المحنة لم يتمكنوا من مقاومة تلك الأعاصير الحداثية إلا حين كانت العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم الرسل أعظم في نفوسهم من كل ما سواها, فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين كل خير. وهذه البراهين السابقة إنما هي مستقاة من دروس القرآن والسنة وهدي القرون المفضلة, أما لو شئنا الانتقال إلى “النتائج الواقعية” وقارنَّا مثلاً بين “مخرجات المدرسة التربوية الإسلامية” وبين مخرجات الخطاب الديني المتبني لـ”تعظيم الدنيا” فسنرى البون الشاسع في الفعالية والنجاعة. فمخرجات المدرسة التربوية الإسلامية عميقة الإيمان بمرجعية الوحي, وشديدة الاعتزاز بسلفها, متشبعة بقيم العمل للإسلام والغيرة على الدين, وراسخة الإيمان بظلامية الثقافة الغربية, وجادَّة في امتلاك الوسائل الحديثة كالتخصصات العلمية والمؤسسات الإعلامية وتوظيف التقنيات البرمجية والاتصالية, وغير ذلك مما هو ظاهر لكل أحد, فانظر كيف أن اتِّباع منهج الوحي وهدي القرون المفضلة في تعظيم الآخرة لم يقدها إلى الرهبانية كما يزعم غلاة المدنية, بل قادها إلى النجاح في تنظيم هرمية اهتماماتها بشكل صحيح, فكانت تلك المخرجات التربوية أنجح من غيرها في دينها ودنياها ولله الحمد. وبالمقابل قارن ذلك بمخرجات “خطاب التأويل الديني” المتبني لـ”تعظيم الدنيا” تجد من يتصالح معه من العلمانيين لم يتزحزحوا عن علمانيتهم قيد أنملة, ومن استمع له من الشباب الدعاة وتشبع بمفاهيمه تجد الكثير منهم اضطربت معاييره, فنقصت هيبة السلف في نظره, وارتفعت قيمة الكفار, وبدأ يشعر بسذاجة المشروعات الدعوية الإيمانية, ثم خسارة “المكتسبات السلوكية” الراقية التي تربى عليها, وغير ذلك من المظاهر المعروفة. فأين هذا المنهج من ذاك؟ وأساس الخلل الذي لم يتنبه له خطاب التأويل الديني المتبني لـ “أولوية المدنية المادية” هو أنه يمارس دون وعي “إعادة تشكيل داخلي للمعايير” بما يتناقض مع المعايير الإلهية لقيمة المجتمعات والشخصيات والثقافات والأمم. صحيح أن من اقترب من بعض النخب المثقفة -التي ابتلي بعضها بالتبرم بدين الله- فسيرى أن محاولة إبراز معاني المدنية في القرآن والسنة والتراث لهم يساهم في تخفيف احتقانهم, لكن هذا المنهج وإن كان يخفف بعض الاحتقان لدى أمثال هؤلاء؛ إلا أنه يدمر الشاب المسلم الذي تربى على معاني الإيمان، ووقر في قلبه إيثار الله والدار الآخرة. وأصدقك القول أيها القارئ الكريم أنني تأملت كثيراً في ظواهر الانحراف الثقافي في صحافتنا ومنتدياتنا –وخصوصاً في مستوياته الشبابية- فرأيت أنه إذا تشرب قلب الشاب “الغلو المطلق في أولوية المدنية المادية” بحيث أصبحت “معياره” في تقييم المجتمعات والشخصيات قاده ذلك “تدريجياً” إلى زهاء خمسة عشر كارثة: التحييد العملي للنص, والإزراء بالقرون المفضلة, والاستخفاف بقيمة علوم الشريعة, واللهج بتعظيم الكفار, والسرور بالحديث الفكري المجرد, والتدهور السلوكي, والعزوف الدعوي, والتحول للمشروعات الفكرية “الشخصية”, واستسذاج الموعظة والخطاب الإيماني, والحدة في محاسبة الإسلاميين, والرحابة وحسن الظن تجاه الدراسات المنحرفة, وذبول الحَمية لله ورسوله تجاه الكتابات المنتهكة للمحكمات, والتركيز على زلات المحتسبين بما يفوق عدوان المجاهرين, والتلذذ بمناهضة الفتاوى, والولع برخص العلماء وشذوذات الفقهاء. وباختصار شديد: (إن خطاب التأويل الديني يبدأ بالتجديد وينتهي بالتجديف). ومن الإنصاف أن أؤكد أن أمثال هذه الكوارث لا يجمعها كل من غلا في المدنية وجعلها فوق الإيمان والفرائض, بل هناك تفاوت هائل لا ينضبط طرفاه, وهذا أمر يعرفه كل من تابع الساحة الثقافية, فبعضهم يقارف بعضها وبعضهم يزيد عليها, بل بعضهم فاضل في ذاته لكنه لم يحسم رؤيته تجاه هذه المظاهر نسأل الله أن يحفظ مثل هذا النمط. وإنما المراد أن أمثال هذه المظاهر الكارثية بمجموعها باتت مشاهد مؤلمة ومحزنة تستدعي استيقاظ الشعور وصعق إحساس الدعاة لإطفاء الحريق في منزلنا الداخلي, يجب أن نعمل سوياً بكل ما نملك لتحريك الوعي بهذه الأزمة, والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. والمقصود هاهنا أن الأمر المشاهد المعلوم الذي أكدته التجارب الحية أن بعض النخب المثقفة المحتقنة تجاه الدين حتى وإن خف احتقانها عن طريق خطاب التأويل الديني المتبني لـ”أولوية الدنيا” فإنها تستمر في فرض الرقابة على النص الديني, وتطالبه دوماً أن يكون مبرِّراً ومسوِّغاً لمنتجات الحضارة المعاصرة, ولا تقبل منه أن يمارس دوراً سيادياً حقيقياً. ولا يشك مؤمن أن هذه الحالة التي هي “فرض الرقابة على النص” ليست مكسباً دعوياً ولا منجزاً يتشرف الإنسان بتحقيقه, بل هذه الحالة لا يرضى بها من عقل حقيقة الإسلام الذي هو “امتلاء القلب بالاستسلام لله”, فالانقياد والخضوع والانصياع والتسليم والامتثال هو جوهر حقيقة الإسلام, ولذلك اشتهر بين أهل العلم تعريف الإسلام بأنه “الاستسلام”, وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى الجوهري في حقيقة الإسلام, كما جاء في قوله تعالى: {ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى} [لقمان:22]. كما أقسم الحق تبارك وتعالى على هذا المعنى في قوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمَا} [النساء:65]. فانظر كيف أقسم تعالى هذه المرة بذاته العظيمة-لا بشيء من مخلوقاته كما هي غالب أقسام القرآن- وما ذاك إلا تعظيماً للمُقسَم به, وهو نفي الإيمان على من لم يرض ويسلم لأوامر الشارع ونواهيه مع تنظيف القلب من كل حرج أو تردد في القبول. وأكد سبحانه أنه ليس للمؤمن اختيار أمام أوامر الله ونواهيه, كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36 ]. فبالله عليك أخي القارئ تأمل هذا المعنى الذي علق الله عليه الإيمان, ثم قارنه بموقف بعض النخب المثقفة التي لا تبتهج بالوحي إلا إذا وافق الحضارة المعاصرة, فإذا لم يوافقها مارست أشد أساليب التعنت في تطلب الحسم الدلالي, وستجد حتماً أن ذلك نابع من شعبة خفية في القلب تعبر عن شرخ عميق في “أرضية الانقياد” التي يقف عليها إسلام المرء. ولذلك تجد بعضاً منهم لا يسأل أصلاً عن موقف الوحي من هذه المستجدات والمنتجات والتطبيقات والأفكار والفلسفات, بل يتمنى أن لا يثير أحد هذا الموضوع أصلاً, فإذا جُوبه بالدليل استنجد بصناع التأويلات. ألا يعكس ذلك ضمور الشغف بمرجعية الوحي؟! . وبعض آخر -من هذه النخب المثقفة- يشعر شعوراً عميقاً أن الوحي ليس لديه إضافة جوهرية للحضارة المعاصرة, بل يعتبر أن أعظم خدمة يسديها للوحي هو أن يؤكد للناس أنه موافق لإبداعات الحضارة المعاصرة, وأن الوحي ولله الحمد ليس ضدها, ونحو ذلك, وهذا جهل عميق بوظيفة النبوات أصلاً, فإن الله تعالى بين أنه بعث النبوات وأنزل معهم الكتب السماوية بهدف أن “تحكم” بين الناس في كل شؤون حياتهم, لا أن تسوِّغ لهم حياتهم, كما قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة:213]. وتأمل في هذا الشمول الذي ذكرته هذه الآية عن وظيفة الكتب السماوية {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} حيث تؤكد هذه الدلالة الشاملة أن “الحاكمية” ليست مقتصرة على الجانب التشريعي فقط, بل يدخل في ذلك الحاكمية الفلسفية والفكرية والثقافية وكل ما يختلف الناس فيه, مما يبين أن الصراع مع العلمانية اليوم لا يتوقف على “العلمانية التشريعية” التي تدعوا لإقصاء الشريعة عن الأوعية القانونية والمؤسسة القضائية, بل هناك صراع أعمق مع “العلمانية الثقافية” التي تدعوا –نظرياً أو عملياً- لعزل الوحي عن الحاكمية في نقاش القضايا الفكرية والمنهجية والشؤون العامة. فإذا أعاد المؤمن تدبر قوله تعالى عن “وظيفة النبوات” {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} شعر بالهوة الكبيرة التي تفصل بين منهج “تبيئة الحضارة” بمعنى تسويغ منتجات الحضارة عبر التأويلات المتكلفة وشذوذات الفقهاء, وبين منهج “هداية الحضارة” الذي امتلأ باليقين بشدة حاجة أمراض هذه الحضارة إلى الدواء الإلهي. إنه بكل بساطة افتراق جذري متصاعد بين من يريد “تقليص” دور الوحي في حياة الناس, وبين من يريد “تفعيل” دور الوحي وبسط هيمنته على الحياة العامة. والمقصود هاهنا بيان أن هذه “الحالة الدينية” التي سبقت الإشارة إليها –وهي أن بعض المثقفين المحتقنين انتفعوا بخطاب التأويل الديني المتبني لـ”تعظيم الدنيا”- إنما تعبر في الحقيقة عن تدين “غير جاد” ذلك أنه مربوط بمقدار ما يقدمه الوحي من “معطيات دنيوية”, فإذا نقصت هذه المعطيات الدنيوية أصابته فتنة, وهذه الحالة الدينية المهترئة حالة قديمة قد كشفها لنا القرآن بشكل مبكر, كما يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وِإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ} [الحج: 11]. وقد استنبط ترجمان القرآن ابن عباس هذا المعنى أيضاً من قوله تعالى {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} حيث يقول رضي الله عنه في معنى هذه الآية: (كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر). فإذا وازن العاقل بين “مكسب” تخفيف احتقان بعض النخب المثقفة تجاه الدين, وبين “خسارة” حرارة التدين عند آلاف الطاقات الشبابية الدعوية, علم يقيناً أنه ليس من العقلانية في شيء أن نستصلح بضعة مثقفين محتقنين يعبدون الله على حرف, ونخسر آلاف الشباب المسلم الذين يعدون مكتسبات أضخم وأهم, إذ هم قاعدة الإسلام وأمله القادم. كم نحن بحاجة إلى التطعيم المسبق بمصل إيماني يحمي شباب الإسلام أن يجرفهم وهج الحضارة المادية ومعايير المدنية الدنيوية, ليواصلوا مسيرتهم النهضوية دون أن ينهار “سلم الأولويات”, فتراهم في كل حقل يسبقون غيرهم مع امتلاء قلوبهم بعظمة الوحي وعبقرية القرون المفضلة ومتاعية الدنيا وانحطاط الكفار. والله الشاهد أنني ما كتبت المقالات السابقة إلا بهدف أن تكون “حصانة وقائية” للشاب المتدين أن ينجرف في طريق بات معروفاً لكل ذي بصيرة, ومعلوم كيف تدهور فيه عشرات من الشباب الذين كانوا طاقات دعوية ومشاعل هداية, فأصبحوا اليوم من أعظم المتثاقلين عن الفرائض, وأشد الناس ضيقاً بالذكرى والموعظة, وأكثر الناس هجراناً للوحي, فضلاً عن العمل للإسلام وحمل هم المسلمين.

كم نجيد صنع المشكلات !!

حواراتنا أصبحت معارك، ومعارفنا أصبحت احتكاراً، ورؤيتنا أصبحت مطلقة، وذواتنا أصبحت مقدسة، وما أكثر مداخل الشيطان التي توحي لنا بأن معاركنا، حوارات جادة، واحتكارنا للمعرفة، حفظ لقيمة العلم، ورؤيتنا المطلقة، أدلة قطعية، ويستمر هذا المسلسل، مسلسل تداخل المفاهيم وتعدد مواطن المتشابهات، ولا ينجو منه إلا من جمع بين العلم والتقوى (ومن لم يجعل الله له نورا، فما له من نور).

ومن المكرور أننا قد نتفق على المبدأ، ونأتلف على الأحكام العامة، إلا أن من طبيعتنا أن نختلف في وجهات النظر، ونتعارض في تحقيق المناط، ومع ذلك فإننا لا نعترف بالتوافق الجزئي، ولا نبحث في أقوال الآخرين عما يوافق رؤيتنا رغبة في تقريب وجهات النظر، كلا، فالمطلوب إما أن توافقني كليا، وإما أن تخالفني كليا.

وقل مثل هذا حين نتباحث في المسائل الثقافية والقضايا الفكرية، فإننا لا نلبث أن نتنازع دون تحرير لمواطن النزاع، وحين نحررها، فإننا لا نعطيها حجمها الصحيح، وحين نعطيها حجمها الصحيح، فإننا لا نمنحها المدة الملائمة لحجمها، وحين نمنجها المدة الملائمة، فإننا لا نتبع المنهجية الصحيحة تجاهها!!

وموطن آخر من مواطن الخلل حين نكون صرعى لقراءات غيرنا الناقصة أو القاصرة، بل ربما تكون قراءات غيرنا ناجحة وتامة، ولكنها أعدت من أجل أهدافٍ معينة، وقد خدمت أهدافها بالفعل، وبتنا اليوم معتمدين على هذه القراءات القديمة دون أن ندرك كم نحتاج إلى قراءات جديدة تفي بأغراضنا المعاصرة!!

ورغم أنه من المنطقي أن يجتمع في الإنسان صواب وخطأ، إلا أننا نرى صواب الموافق لنا وكأنه ما أخطأ قط، ونرى خطأ المخالف لنا وكأنه ما أصاب قط، ولا نسمي هذا التضخيم قصورا في الرؤية أو ضعفا في التقييم ـ حاشا لله !! ـ بل نسميه (نصرة للرؤية) و(دعماً للرمز)، حتى أصبحت منهجيتنا في التعامل مع الساحة الثقافية (التغاضى عن صواب المخالفين وزلل الموافقين، والتصفيق لزلل المخالفين وصواب الموافقين).

ترى هل نخطئ عندما نريد إقامة الدليل على صحة معلوماتنا؟ الجواب: نعم، وأخطاؤنا أيضا في هذا الأمر كثيرة، أحيانا نعزل المعلومة عن سياقها، وأحيانا لا نتسامح في بعض الألفاظ والدلالات التي من الممكن أن تُحمل على محمل حسن، وأحيانا نلزم المخالف بما لا يلزم من كلامه، وأحيانا نلزمه بما يلزم من كلامه ونحمّله تبعة ذلك، دون أن يدرك ـ صاحب الكلام ـ هذه اللوازم، ولو عرفها لترك فكرته، ولكن لأننا نوقن داخل أنفسنا أنه لن يترك قوله ولن يتراجع عنه، فإننا عند بيان وجهة نظرنا له، نرميه بشيء من التسفيه، والتجهيل، حتى يرتدع! ولكي لا يغتر بقوله القراء الأعزاء! فيا ترى من هذا الذي سوف يرتدع بهذه الطريقة!! ومن هؤلاء القراء الذين سوف يقتنعون بهذا الكاتب!!!.

ومن أخطائنا في إقامة الحجة على صحة ما ذهبنا إليه في مسألة من المسائل، أننا لا نجرؤ على تحري أولى الطرق بإثبات صحة ما ذهبنا إليه من أقوال، فحين يختلف شخصان في مسألة ويأتي كل منهما بأقوال العلماء الذين يوافقونه، ومع ذلك يستمر الاختلاف، فيأتي كل منهما بمزيد من الأقوال والحجج والأمثلة والتشبيهات لإثبات صحة قوله، دون أن يجرؤ أي منهما على التعريج على البحر تاركا القنوات، وعلى المنهج دون الأمثلة، وعلى المصدر الأول دون الناقلين عنه، وفي هذا دلالة على ضعف التأصيل العلمي عند المتناظرين، فكلاهما لا يملك أصولا وأسسا تمكنه من النظر في المصادر الأصلية، فإن كان هذا حال المتخالفين من الضعف فليعترف كلا منهم بأنه بذل أقصى ما يستطيع في إثبات رأيه وليقل : هذا فراق بيني وبينك في هذه المسألة، قاطعا حبل الجدل، واصلاً حبل المحبة، معترفا بقصوره في العلم، عازما على مزيد من التحصيل، مدركا لفضل العلماء السابقين، وأمثالهم من الجهابذة المعاصرين.

ومن أخطائنا في الحوار، أننا لا ننظر إلى القيمة الحقيقة للمسألة محل النقاش، ولا نهتم بقيمتها العملية، فكل معلومة تحمل أثرا عمليا، ومآلات ملازمة لها، والمعلومة التي لا تتميز بهذه الصفة لا تحتاج منا أن نهتم بها، وهكذا ندرك أننا نخوض جدالنا في غياب الهدف العلمي، ولكن في حضور الهدف الذاتي والأغراض الشخصية.

فيا لنا من مثقفين، كم نجيد صنع المشكلات!!

سيطرة الأخطاء

حين تسيطر المادة على المعلم والدكتور والوزير فلا يعملون من عمل إلا بمقابل مادي ، تظل هناك مشاعل ضوء يحملها أهل التدين والعلم الشرعي يعلمون الناس ويخالطونهم ويجلسون معهم ويستمعون منهم دون مقابل ودون أجر مادي ولو بسيط لسبب معلوم هو : لله ، (( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ )) يعملون هذا كله لله عز وجل ، وعلى بساطة هذا السبب إلا أن الناس ينسونه كلما ازدادوا رتبة في العلم والمنصب والجاه.

حين تسيطر ظاهرة الخيانة والنفاق على الإعلامي ، والوزير ، والسفير فلا يتكلمون بكلمة الحق التي ينبغي أن تقال ولو أغضبت الأمير ، تظل هناك مصابيح هدى لا تقبل أبدا أن تكون شياطين خرساء تكتم الحق وتساعد في تضليل الناس ، لسبب بسيط أنهم حملوا أمانة العلم من الله عز وجل وقد أخذ عليهم الميثاق لتبيينه للناس ولا تكتمونه ، ولكن يبدو أن الناس كلما تقدموا في المراكز والمناصب كانوا أكثر ( وعيا ) فلا يتكلمون إلا بما أذن لهم ( السلطان ) وقال ( كما يراد منه ) .

حين تسيطر الحزبية على أبناء الوطن الواحد فتصبح العداوة لمن خالف في المذهب أو الجنس أو التيار ويصبح احتكار الحق تبعا ( لأهواء وأفكار ) كل فريق ، تبقى هنالك شمس من الحق ، يشرق بها حزب واحد لا يعرف معنى الهوى ، ولا الفكر الدخيل ولا يمنع أحد من الدخول في حزبه أو يطرد أحدا كان معه ، لأن شروط عضوية هذا الحزب من عند الله سبحانه وتعالى (( أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) .

حين تسيطر التبعية للمذاهب الغربية فهذا لبرالي بالأمس كان اشتراكيا وبعد غد سيصبح شيئا ما جديد وذاك حداثيا وتلك متحررة ، سوف تبقى ثلة من الناس (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) وسيماهم في كذلك أفكارهم ، وفي ثباتهم على الحق ، وفي إطرادهم في المنهج وما ذلك إلا لسبب بسيط هو : (( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ )) ولكن يبدو أن مثقفي اليوم كلما زادت ثقافتهم كلما قل تسليمهم لله تعالى ولرسوله الكريم.

حين يسيطر إتباع الأشخاص لا الفكرة  ، والرموز لا المنهج ، تنقسم عرى التيار الواحد ، ويعتزل العقل وظيفته الأساسية ، ويستخدم الإعلام لصناعة الرمز بدلا من الفكرة ، ولتقديس الشخص بدلا من المنهج ، تجد فريقا من أصحاب اليقين لا يعرفون معنى للإعلام سوى أنه لبيان المنهج الرباني ، ولتوضيح الطريق الحق للناس وإرشادهم إلى النور الذي أنزل إليهم من ربهم وما ذلك إلا لسبب بسيط هو (( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ )) ، ولكن يبدو أن تيارات اليوم ليس لديها الفكرة ، ولا المنهج.

وأخيرا:
حين يتساءل المثقفون في البلد الواحد عن الثوابت ، ويستفسرون عن الأصول ، ويختلفون على كليهما ،  تعرف أن هناك خطأ ما ، اسمه ( غياب المرجعية ).